أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. قاطرة مستقبل السودان

 

بدأت السكك الحديدية في السودان في سنة (1875م) عندما أنشأ الإحتلال التركي المصري خطََا بطول 24 كيلومتراً بين وادي حلفا ودبروس لأغراض عسكرية وكانت النقلة الحقيقية مع الحملة الإنجليزية المصرية في سنة (1896م)، فامتد الخط من وادي حلفا إلى عطبرة ثم إلى الخرطوم في (1899م).

تأسست هيئة سكك حديد السودان في العام ذاته، وامتدت الشبكة لاحقََا لتصل إلى (5978 كيلومترََا)في ستينيات القرن الماضي، فكانت الأطول في أفريقيا والشرق الأوسط،حيث ربطت مشروع الجزيرة بالميناء في بورتسودان وحملت قطن السودان وصمغه وحبوبه وربطت أطراف البلاد ببعضها.

أما اليوم فقد تقلصت الشبكة العاملة إلى أقل من (1400 كيلومترََا) بينما مضى العالم في مسار آخر،ففي اليابان يسير قطار “الشينكانسن” بسرعة (320 كيلومترََا) في الساعة وفي الصين تتجاوز شبكة القطارات السريعة (45 ألف كيلومتر) بحسب الاتحاد الدولي للسكك الحديد عام 2024م، وفي القاهرة يعمل “المونوريل” كحل حضاري يخفف الازدحام في وسط المدينة.

إن تحديث السكك الحديدية في السودان غدا مطلبََا تنمويََا واستراتيجيََا لا يحتمل التأجيل،فبحسب البنك الدولي تبلغ كلفة نقل الطن بالكيلومتر بالشاحنة في أفريقيا (0.10) إلى (0.15) دولار، بينما بالقطار (0.03) إلى (0.05)دولار،فإذا تم نقل (40%) من البضائع الداخلية البالغة (18 مليون طن سنويََا) عبر السكة الحديد بمتوسط (500 كم)، ستوفر (350 مليون دولار) سنويََا وتدخل خزينة الدولة من (250 إلى 300 مليون دولار) كعائدات تشغيل.

إن العائد الأكبر يكمن في الربط الإقليمي، فإثيوبيا تدفع أكثر من (1.5 مليار دولار) سنويََا لجيبوتي ودراسة مفوضية الاتحاد الأفريقي تقدر أن خط بورتسودان أديس أبابا قادر على استقطاب (30%) من تجارتها، أي (4 ملايين طن) سنويََا، بعائد للسودان يتجاوز (600 مليون دولار) سنويََا من رسوم العبور والتخزين ودولة جنوب السودان يمكن أن يدر منها (150 إلى 200 مليون دولار) سنويََا إذا امتد الخط إلى جوبا ونقل الصادرات غير النفطية وتشاد وأفريقيا الوسطى يمكن لخط نيالا الجنينة انجمينا أن يجذب (مليون طن) سنويََا بعائد (120 إلى 150 مليون دولار) ومع مصر فإن خط وادي حلفا أسوان سيحرك تجارة حدودية تتجاوز (500 مليون دولار) سنويََا.

بذلك يصل العائد المباشر المتوقع إلى (1.2 إلى 1.5 مليار دولار) سنويََا تضاف إليها وفورات بقيمة (800 مليون دولار) من صيانة الطرق وخفض التضخم وخلق الوظائف، بحسب تقديرات برنامج الاتحاد الأفريقي للبنية التحتية (PIDA 2021)،مقابل ذلك تبلغ كلفة تأهيل (4000 كيلومتر) وتحويلها لسكة عريضة (7.8 مليار دولار)، أي أن المشروع يسترد نفسه في (5 إلى 7 سنوات).

إستثمرت اليابان في القطار الطلقة ومصر بالمونوريل وإثيوبيا اليوم تنقل (95%) من تجارتها بالسكك الحديد والسودان يملك ما هو أعظم: موقعََا في قلب القارة وميناءً على البحر الأحمر، وتاريخ عريق وخبرات متراكمة في مجال السكك الحديدية بدأ من العهد التركي.

السكة الحديد ليست قضبانََا حديديََا فحسب، هي نقلة إقتصادية كبرى وتأثير إجتماعي أكبر،فعبرها يتوحد وجدان أهل السودان بالتواصل، لذلك إما أن نستثمر اليوم (7.8 مليار دولار) لنكسب كل عام ما يزيد على (ملياري دولار) وتستعاد مكانة سكك حديد السودان وتنطلق بثقة نحو آفاق المستقبل وإما أن نظل نستنزف في الطرق ونخسر موقعنا لصالح الآخرين، فهل نملك الإرادة لنعيد للسكة حديد مجدها لا حنينََا إلى الماضي والتقوقع فيه، بل لتكون قاطرة لمستقبل السودان.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى