أخبار سياسيةأخبار عاجلة

تأشيرة البرهان.. مسار المؤسسات وقانون الأمم المتحدة

 

​اشتراطات واشنطن لتأشيرة البرهان تعكس تعسفاً سياسياً وانتهاكاً لاتفاقية المقر

​برطم: الأزمة تكشف قصور الدبلوماسية وتدعو لإعادة صياغة العلاقات وفق المصالح

​د. ياسر محجوب: الهدنة المشروطة ابتزاز يهدف لإنقاذ الميليشيا من الانهيار الميداني الوشيك

د. ​متولي: الدبلوماسية القسرية الأمريكية تستهدف حجب الصوت الرسمي وتهميش الدولة

​السفير رشاد: بقاء السودان بالمنظومة الدولية ضرورة حتمية لحماية المصالح الوطنية العليا

​السودان يثبت حضوره القانوني بالمنظومة الدولية ويواصل طرح خطابه الرسمي رغم الضغوط

​الخرطوم: رمضان محجوب

​تتوالى التطورات الدبلوماسية والسياسية لتلقي بظلال ثقيلة على مشهد التمثيل الخارجي، حيث تبرز بوضوح تساؤلات جوهرية حول مدى التزام القوى الكبرى بالقواعد المنظمة لعمل الهيئات الدولية. إن منح التأشيرات الدبلوماسية للمشاركين في المحافل الأممية ليس منحة تفضلية تخضع للأهواء الثنائية، بل هو استحقاق مؤسسي محكوم بقوانين واتفاقيات مستقرة. وبينما تتباين القراءات حول خلفيات هذا التعطيل، يظل الثابت الأساسي أن الدول ومؤسساتها الرسمية لا تقاس هيبتها بغياب شخص أو حضوره، بل بقدرتها المتواصلة على فرض شرعيتها وحماية سيادتها ومصالحها العليا في مختلف الساحات الإقليمية والدولية دون انقطاع. وفي هذا السياق، استعرض عدد من الخبراء والمحللين لـ “صحيفة العودة” الأبعاد المختلفة لهذه الأزمة وتداعياتها على مستقبل العمل السياسي والدبلوماسي، مبينين الخبايا الاستراتيجية التي تحيط بهذا القرار التعسفي.

​▪️ ​قانون المؤسسات الدولية

​ينطلق النقاش الدائر حول قرار تقييد حركة القيادات الرسمية من ركائز قانونية واضحة تنظم العلاقة بين الدول الأعضاء والأمانة العامة، وتؤكد هذه المعطيات أن المنظمات الدولية ليست حكراً على عواصم الدول المضيفة، بل هي منبر عالمي مفتوح للجميع على قدم المساواة. وعليه، فإن أي محاولة لفرض شروط مسبقة خارج الأطر التنظيمية تُعد خروجاً سافراً عن الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها، والتي تحكم العمل الجماعي وتضمن استقلالية الهيئات الأممية عن التجاذبات السياسية الضيقة للدول المضيفة.

​▪️ رؤية استراتيجية واضحة
​وفي السياق ، استهل عضو مجلس السيادة السابق، أبو القاسم برطم، إفادته لـ ” العودة” بالتأكيد على أن ما يتردد حول “العنترية ورفض أمريكا” يعد سلوكاً لا يعدو كونه تصرفات ناشطين لا تستند إلى الواقع السياسي المعقد. وأوضح أن هذه التطورات كانت متوقعة لكونها جزءاً من منظومة أدوات موجهة لتدمير الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية، منتقداً بشدة مخرجات منبر جدة التفاوضي الذي اعتبره المسمار الأول في نعش الاستقرار لمساواته بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، ومشدداً على أن المعركة الحالية هي معركة وجود للدولة بكامل سيادتها ومؤسساتها الراسخة.

​▪️ التآمر على السيادة

​وأردف برطم في سياق تحليله للعودة بأن هذه الضغوط الممنهجة لا تنفصل بحال من الأحوال عن مخططات أوسع ترمي إلى كسر شوكة المؤسسات الوطنية. وأكد أن الدولة التي تخوض معركة مصيرية على الأرض لحماية شعبها وكيانها لن ترهبها مثل هذه الأساليب الابتزازية المكشوفة التي تتنافى مع أبسط قواعد العمل الدبلوماسي بين الأمم، وهي تستوجب رداً وطنياً موحداً يصون الكرامة الوطنية ويقطع الطريق أمام كافة المحاولات الرامية للنيل من استقلال القرار السوداني
.
​▪️ ​الخيار الاستراتيجي الأمثل

​وأضاف برطم في حديثه أن الأزمة الحالية تعكس قصوراً واضحاً في أداء الدبلوماسية والأجهزة المؤسسية والأمنية في استباق الأزمات وتجنيب البلاد هذا المأزق القيادي، لافتاً إلى أن الأصل كان إيفاد وزير الخارجية أو ممثل بروتوكولي بدلاً من إبراز المواجهة المباشرة التي قد تمنح الخصوم مادة للمزايدة السياسية. واختتم رؤيته بالتأكيد على أن الخيار الاستراتيجي الأمثل يكمن في إعادة صياغة العلاقات الخارجية وفقاً لمصالح السودان العليا بعيداً عن الحسابات الضيقة، مع ضرورة الاستفادة القصوى من التجارب الإقليمية والدولية لوضع حد لعقود العزلة والوصاية الخارجية.

​▪️ ​ابتزاز سياسي مرفوض

​من جانبه، أوضح الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الدكتور ياسر محجوب الحسين لـ “العودة” تعليقا على قرار الإدارة الأمريكية أنه يمثل قراراً سياسياً محضاً لا علاقة له بلوائح المنظمة الدولية، بل يعكس أجندة واشنطن الخاصة تجاه الأزمة الراهنة. وبيّن الحسين أن اشتراط قبول الهدنة التي طرحها مسعد بولس يُعد ابتزازاً سياسياً سافراً يستغل وجود مقر الأمم المتحدة على الأراضي الأمريكية، وهو ما يعد انتهاكاً صريحاً لاتفاقية المقر لعام 1947 التي توجب منح التأشيرات للوفود الرسمية دون قيود سياسية أو تمييز تعسفي بين الدول الأعضاء.

​▪️ خرق اتفاقية المقر

​ويواصل محجوب حديثه للصحيفة بالقول أن تعمد واشنطن استخدام هذه الورقة يمثل سابقة خطيرة تهدد مستقبل استضافة المنظمات الدولية وتفقدها حيادها المعهود. وأبدى استهجانه للميل الغربي نحو تسييس المحافل الأممية وتحويلها إلى منصات لتنفيذ أجندات حزبية ضيقة، مما يتطلب وقفة صلبة من دول الجنوب العالمي الرافضة للهيمنة والاستعلاء الدبلوماسي، وضرورة تفعيل آليات حماية الوفود الرسمية لضمان عدم تعرضها لمثل هذه الابتزازات المسيسة التي تضر باستقرار العمل الدولي المشترك.

​▪️ ​أبعاد الهدنة المطروحة

​وأوضح الحسين في سياق حديثه أن الهدنة المطروحة تحمل طابعاً انهزامياً تتيح للميليشيا فرصة إعادة التموضع العسكري دون معالجة الجذور الحقيقية للصراع، سيما في ظل تراجعها الميداني الأخير وانكسار شوكتها أمام ضربات القوات المسلحة. وختم الحسين تحليله باستعراض البدائل المتاحة أمام القيادة السودانية لضمان إيصال صوت البلاد بوضوح، وتشمل المشاركة عبر تقنية الفيديو أو المطالبة بنقل الجلسات، مؤكداً تمسك الموقف الرسمي بالسلام العادل القائم على الأسس الوطنية مع رفض تام لأي شروط مسبقة غايتها إنقاذ طرف مأزوم في ميدان المعركة.

​▪️ ​الدبلوماسية القسرية الغربية

​وفي المقابل اعتبر الخبير الاقتصادي والأكاديمي بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية، الدكتور محمد عوض محمد متولي، في حديثه للصحيفة، الخطوة حلقة خطيرة في سياق “الدبلوماسية القسرية” التي تستخدم المقرات الدولية كأداة ضغط استراتيجي لإخضاع القيادة السودانية وتطويع مواقفها. وأوضح متولي أن هذا التعنت يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد العمل متعدد الأطراف واتفاقيات المقر الرسمية، محذراً من أن مقايضة الحق الأساسي في المشاركة بهدنة مصممة وفق المقاسات الغربية تعكس فهماً مقلوباً لصناعة السلام وتحول المعاناة الإنسانية الكبيرة للسودانيين إلى ورقة مساومة رخيصة.

​▪️ أوهام الهيمنة الغربية

​واستطرد متولي مبيناً أن هذه السياسات الاستعراضية تعبر عن أزمة بنيوية تعاني منها الدوائر الغربية التي باتت تعجز عن قراءة التحولات الجيوسياسية الكبرى في المنطقة والعالم. ونبّه إلى أن محاولات تركيع الاقتصاد السوداني وتعطيل صوته الرسمي عبر أدوات الابتزاز المالي والسياسي لن تزيد الشعب إلا إصراراً على انتزاع قراره الوطني المستقل بعيداً عن الوصاية الأجنبية الضيقة، مع ضرورة الوعي التام بأن هذه الضغوط تخفي رغبة دفينة في إعادة هندسة الخريطة السياسية لصالح قوى التمرد.

​▪️ ​فراغ تمثيلي للسودان

​وأضاف الخبير الاقتصادي أن فرض “هدنة غير مشروطة” بمعزل عن إخلاء الأعيان المدنية والمرافق الخدمية يمنح المعتدين فرصة استراتيجية لالتقاط الأنفاس، مؤكداً أن عجز الأمانة العامة للأمم المتحدة تحت الضغوط الأمريكية يعكس تبعية هيكلية تهدف لإحداث فراغ تمثيلي خطير للسودان. وختم متولي تحليله بالتأكيد على حتمية الفشل الاستراتيجي لهذه السياسات الفوقية، مبيناً أن حرمان القيادات الحقيقية من منابرها لن يكسر الإرادة الوطنية الصلبة، بل سيدفع الدولة نحو تنويع خياراتها الجيوسياسية وبناء تحالفات إقليمية ودولية جديدة تفكك الهيمنة الأحادية.

​▪️ ​ضرورة الحضور المستمر

​وتعقيباً على مجمل هذه التطورات، أكد الخبير الدبلوماسي السفير رشاد فراج الطيب في حديثه لـ “العودة” أن بقاء السودان فاعلاً وحاضراً في المنظومتين الدولية والإقليمية يمثل ضرورة حتمية استراتيجية، بغض النظر عن حضور أو غياب رأس الدولة، عملاً بالقاعدة السياسية العريقة التي تنص على أن ما لا يدرك كله لا يُترك جله. وأوضح السفير أن محاولات حجب الصوت السوداني عن المحافل العالمية تخدم مباشرة أهداف خصوم البلاد الرامية إلى عزلها دبلوماسياً وتغييب حقائق الميدان، مشدداً على أهمية تفويت هذه الفرصة وعدم الاستجابة لمثل هذه الضغوط الهادفة لتقويض الحضور السياسي والسيادي.

​▪️ التعامل بـواقعية سياسية

​وفي ختام حديثه ، دعا الخبير الدبلوماسي إلى التعامل مع هذه التطورات الخطيرة بواقعية سياسية مرنة تضمن إيصال الموقف الوطني الأصيل وتمنع الخصوم من تحقيق أهدافهم الاستراتيجية في تهميش الدور السوداني التاريخي. وأكد الطيب على ضرورة الحفاظ الصارم على الثوابت الوطنية وحماية المص العليا للبلاد في وجه كافة التحديات الدبلوماسية الراهنة، مع ضمان استمرار صوت الدولة ومؤسساتها الشرعية مدوياً وثابتاً في كافة المحافل الإقليمية والدولية مهما كانت العراقيل والمؤامرات المصطنعة.

​▪️ ​استمرارية الدولة والسيادة

عموما ؛ إن بقاء الدول العريقة واستمرارية مؤسساتها السيادية لا يتوقفان بحال على عراقيل عابرة أو مواقف سياسية مؤقتة، فالسودان بتاريخه المجيد ومؤسساته القائمة يمتلك من مقومات الصمود والصلابة ما يجعله قادراً على مواصلة مسيرته بكل ثبات وعزيمة. إذن فإن التمسك المطلق بالشرعية والعمل الحثيث وفق الأطر القانونية يضمنان دوماً بقاء الراية الوطنية خفاقة عالية في كل المحافل الدولية، مع التأكيد القاطع على أن الحقوق السيادية للشعوب لا تسقط بالتقادم ولا تخضع بأي حال من الأحوال لمنطق الإملاءات الغربية الفوقية المرفوضة جملة وتفصيلاً.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى