أخبار عاجلةمقالات

د.خالد أحمد الحاج يكتب..مجرد راي

تحبير

مع انسداد الأفق السياسي وضبابية المشهد في أحلك الظروف التي يمر بها السودان بات أي تحرك متوقع للقوى السياسية إما لتأكيد وجودها في الساحة السياسية بالفترة الانتقالية من واقع تقديراتها لما بعد يونيو ٢٠٢٣م، أو من خلال ما تطرحه من حلول لتجاوز الأزمة الحالية.
إلى أي مدى يمكن أن يكون الإعداد لحقبة ديمقراطية خالية من أخطاء الماضي يجري بالصورة المطلوبة ؟ السؤال أعلاه جوهري وملح ينبني عليه التصور الكلي لما بعد الفترة الانتقالية وصولاً إلى ديمقراطية مستدامة، وحكم مدني يفرز ممارسة راشدة.
من الواضح أن الأزمة التي تمر بها البلاد في ظل غياب الحلول هي التي تنطلق منها الأحزاب وحركات الكفاح المسلح، فإن كانت حالة (اللا رضا) عن ما يدور بأروقة السياسة هي التي جعلت من الشارع السياسي (منقسما) من ناحية، وباحثا عن أسباب وحدته ولو باللجوء إلى التكتلات لمقابلة المستجدات السياسية من الناحية الأخرى.
لذا فإنني أرى أن عدم الاتفاق على مصفوفة لإدارة الفترة الانتقالية هو الذي جعل الأزمة تنمو بهذه الصورة.
من الواضح أن تحركات الشارع إما متقاطعة مع بعض القوى السياسية المتحكمة في المشهد، أو متفقة مع البعض الآخر على بعض النقاط، كل ذلك أفرزته أحداث ٢٥ أكتوبر، وما تلاها من سيناريوهات على مستوى الداخل بكل تبايناته، وعلى مستوى الخارج الذي لم يغب عن المشهد قط.
كم من التحالفات ظهرت في الساحة السياسية منذ الإطاحة بالإسلاميين في أبريل ٢٠١٩م ؟ كم من التحديات واجهت هذه التحالفات منذ تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الأول، مروراً بتحالف حركات الكفاح المسلح منذ توقيعها على اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر ٢٠٢٠م، مروراً بتحالف قوى إعلان الميثاق، عطفاً على تمسك بعض الكيانات بالجبهة الثورية كجسم له تأثيره على الواقع السياسي، وصوت نداء السودان الذي لم يخفت رغم المتغيرات التي اعترت الساحة السياسية، وليس بعيداً من كل ذلك التحالف الإسلامي العريض الذي تنضوي تحت لوائه مجموعة من القوى السياسية.
بالرغم من كل هذا الصيت ما الذي يجعل هذه التحالفات تنزوي، وبالإمكان إمساكها بزمام المبادرة وتمكنها من قيادة الشارع ؟ ربما يكون الأسلوب الإقناعي المتخذ لوحدة هذه الكيانات هو أس الأزمة، وربما يكون فقدان الثقة بين كيانات لكل استراتيجيته التي تختلف عن البقية الباقية.
وهذا ما يجعلني أسأل على أي أساس تنبني الثقة ؟ وهل لها ثوابت تنطلق منها ؟ أم أنها قائمة على مصالح مرتبطة بتوقيت محدد ؟
آخر التحالفات تظهر فيه بعض قوى الثورة المؤتلفة مع لجان المقاومة من ناحية وبعض أجنحة تجمع المهنيين التي يمكن أن تنضم لهذا التحالف من الناحية الأخرى، هذا التحالف من واقع (هيجان) الشارع على الأوضاع والتعاطف الكبير الذي يجده من الشارع ستكون له كلمة.
تفاصيل المشهد الآن تنم عن اتجاهين: أحدهما مركز حول بناء تكتل عريض، إما أن يكون مستندا على قاعدة سياسية، أو بانيا رؤيته على استدرار عطف الشارع، فيما الاتجاه الآخر منهمك في دراسة آلية لإدارة ما تبقى من عمر الفترة الانتقالية، معني بالحوكمة، وتفاصيل الانتقال الديمقراطي، بيد أن هذا الاتجاه في الأخير سيصطدم بالوثيقة الدستورية.
عشرات المبادرات على طاولة المجلس السيادي، المطلوب أن يختار إحداها، أو يدمج كامل المبادرات في مبادرة واحدة.
لإعمال مبدأ الشفافية والتداول السلمي للسلطة كنت أتوقع من الكيانات التي طرحت هذه المبادرات أن تضعها بين يدي الشعب وما تتم المصادقة عليه في نهاية المطاف هو الذي يسري، فوق هذا وذاك فإن وعي الشارع وقناعاته فوق أي تصور حزبي.
إلى أي مدى هذه الكيانات ملتزمة بمبادئ العلوم السياسية والنظريات التي تحكمها ؟ وكيف نما إلى علمها أن الشارع على توافق مع طرحها ؟ هذه الثورة مهرت بالدماء، ومرت بأصعب المواقف، لن يختلف تفكير الأحزاب اليوم عن ما كانت عليه في السابق من واقع أن برامجها منذ الاستقلال لم يطرأ عليها أي تغيير يذكر.
وهذا ما يجعل الصورة واضحة، إما أن يستجيب الشارع للطرح الماثل نتيجة لغياب البدائل، أو أن يكون له رأي مختلف.
على الحكومة الانتقالية تسوية ملف العدالة بأسرع ما يكون، حتى تهيئ الظروف لما بعد هذه المرحلة.
وضع الحلول المناسبة للأزمة السياسية هو أفضل طريقة لطي هذا الملف، وإن نبع هذا الحل من الداخل فذلك أجدى وأنفع.
تفهم المجتمع الدولي لدقة المرحلة التي تمر بها البلاد يتطلب ألا يقف مكتوف الأيدي تجاه الأزمة المستفحلة، شريطة أن لا يكون ذلك من باب الإملاءات.
اتكاءا على ماضي البلاد السياسي وباستدعاء المواقف الوطنية المشرفة ليكون ذلك بمثابة منطاد، تتجاوز به البلاد أزمتها.
لا يعدو هذا التسطير أن يكون سوى رأي تشخيصي نابع من أصل الأزمة، ربما يكون صائبا، أو قد لا يكون كذلك، وفي كل فهو اجتهاد.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى