أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار.. الحلقة الرابعة والعشرون

*السقوط اللغز..!!*
■ لم يكن فجر الخميس، الرابع عشر من ديسمبر عام 2023، يشبه في وتيرته الصباحات الهادئة التي اعتادتها قرى غرب الجزيرة؛ فقد استيقظت تلك القرى على أزيز طائرات سلاح الجو وهي تشق عنان السماء بكثافة غير معهودة، وكأنها ترسم في الأفق نذر شؤم قادم، وتعلن أن الهدوء الذي لفّ الولاية لشهور لم يكن إلا استراحة محارب أو “هدوء ما قبل العاصفة” التي ستقتلع الجذور.
■ تحولت سماء الجزيرة إلى ساحة عرض عسكرية مكشوفة، حيث ظلت الطائرات تحلق على ارتفاعات منخفضة، مما بث في نفوس السكان شعوراً بالرهبة الممزوجة بالترقب؛ فالموقف العسكري الذي كان يبدو مستقراً بدأ يأخذ طابع الخطورة الميدانية الحقيقية، وأدرك الجميع أن المليشيا الإرهابية باتت على مقربة من أسوار زهرة المدائن “مدني” التي ظلت ملاذاً آمناً لكل السودانيين.
■ وبالتزامن مع ضجيج المحركات في الأعالي، كانت الأرض تشهد حراكاً أمنياً محموماً، حيث بدأت موجة اعتقالات واسعة استهدفت “الخلايا النائمة” داخل أحياء ود مدني، بعد توفر معلومات استخباراتية عن وجود عناصر متمردة اندست وسط المدنيين والنازحين، لتتحول المدينة إلى ثكنة يقظة يحاول فيها الجميع استباق الطعنة التي كانت تُحضر في الخفاء.
■ أطل صباح الجمعة، الخامس عشر من ديسمبر، ليحمل معه الخبر اليقين؛ فقد بدأ الهجوم الغادر بشكل مفاجئ وعنيف عبر المحور الشرقي للولاية، حيث تدفقت أرتال المليشيا من جهة الخرطوم والكاملين، متخذة من منطقة “شرق النيل” معبراً للوصول إلى ضواحي المدينة العريقة، وتحديداً في منطقتي “أبو حراز” و”حنتوب” اللتين صارتا خط الدفاع الأول.
■ كان رد فعل القوات المسلحة حاسماً في تلك الساعات الأولى، إذ شن سلاح الجو غارات جوية مكثفة ودقيقة، استهدفت تجمعات المتمردين ومنعتهم من التقدم صوب الجسر الاستراتيجي الذي يربط ضفتي النيل؛ فكان الهدف الواضح هو قطع الطريق أمام أي محاولة لعبور “كبري حنتوب” والدخول إلى قلب الكتلة السكنية المكتظة.
■ في تلك اللحظات، سادت حالة من الهلع الجماعي لا توصف مرارتها، وبدأت موجة “نزوح عكسي” مأساوية؛ فأولئك الذين فروا من جحيم الخرطوم قبل أشهر وبنوا في مدني آمالاً بالاستقرار، وجدوا أنفسهم يلملمون شتاتهم مرة أخرى، لتبدأ رحلة هروب جديدة نحو المجهول، في مشهد يدمي القلوب ويعكس حجم الفاجعة التي حلت بالإنسان السوداني.
■ ومع غروب شمس يوم الجمعة، بدأت الأنباء تتوارد عن تمكن الفرقة الأولى مشاة من دحر المليشيا المتمردة عند تخوم المدينة، ليعم فرح هستيري في الشوارع، وخرجت جماهير مدني وأريافها في مسيرات عفوية ليلية جابت الطرقات، وارتجت المدينة بشعار واحد يجسد الوحدة والالتئام: “جيش واحد.. شعب واحد”، وكأن الصدور انشرحت بانتصار ظنوه نهائياً.
■ لكن ذاك الفرح الصاخب لم يكن إلا سراباً لم يدم طويلاً، فقد عاد هدير المدافع ليقطع حبال الاحتفالات، واشتدت المعارك بضراوة منقطعة النظير في منطقة حنتوب خلال يومي السبت والأحد، حيث رمت المليشيا بكل ثقلها العسكري محاولة السيطرة على جسر حنتوب الاستراتيجي، مفتاح الدخول إلى “زهرة المدائن”.
■ استبسل الجيش والقوات المساندة له في الدفاع، مستخدمين الدفاعات الأرضية والمدفعية الثقيلة التي لم يهدأ دويها، وصمدت الحصون لساعات طوال في وجه الهجمات الانتحارية المتكررة للمتمردين، بينما أعلنت السلطات المحلية حالة الطوارئ القصوى وحظر التجوال، وأغلقت مداخل المدينة تماماً لتحويلها إلى قلعة محصنة.
■ ثم جاء يوم الاثنين المشؤوم، الثامن عشر من ديسمبر، اليوم الذي سيظل محفوراً في ذاكرة الوجع السوداني بمداد من الخيبة؛ حيث حدث الاختراق الكبير الذي لم يكن يتخيله عقل، ووقع الانسحاب “غير المفهوم” للقوات المدافعة عن مدني، وهو الحدث الذي سيبقى غصة في النفوس وحنظلاً يتجرعه التاريخ للأجيال القادمة.
■ لم يكن انسحاب القوات مجرد إجراء عسكري أو تراجع في خارطة العمليات، بل كان صدمة زلزلت كيان المواطن الذي وضع ثقته الكاملة في حماة الأرض؛ فقد كانت “ود مدني” في وجداننا هي الملاذ الأخير، وبسقوطها المريب، تبددت أحلام الأمان، ووقفت الأسئلة الحائرة عارية أمام خذلان الميدان وصمت الغرف المغلقة، ليصبح البحث عن “الحقيقة” لا يقل شقاءً عن رحلة البحث عن مأوى أو وسيلة نجاة في فيافي النزوح المريرة.
■ تحولت المعارك في ذلك اليوم دراماتيكياً وبشكل مريب، فالمحور الأول للغز تمثل في عبور المليشيا لجسر حنتوب بكل سهولة ويسر، ودخولها إلى الأحياء السكنية، في وقت كان الجميع يعتقد أن الجسر هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، لتسقط الدفاعات في لحظة ذهول لم يجد لها المعاصرون تفسيراً منطقياً.
■ أما اللغز الثاني الذي قصم ظهر المدينة، فهو الانسحاب المفاجئ لقوات رئاسة الفرقة الأولى مشاة من مواقعها الحصينة، مما ترك الباب موارباً أمام الأوباش لاحتلال المقار الحكومية، وقيادة الجيش، وأمانة الحكومة، ووسط المدينة، دون قتال شوارع حقيقي يتناسب مع حجم القوة التي كانت مرابطة هناك.
■ بحلول مساء ذلك الاثنين الحزين، كان السقوط قد اكتمل، وأحكمت المليشيا قبضتها على ود مدني، وأقامت ارتكازاتها في التقاطعات الرئيسية، لتتحول المدينة الآمنة إلى ساحة للموت والنهب، وتضيع في غمرة الفوضى هيبة الدولة التي كانت مدني أحد أعمدة صمودها خلال الشهور الماضية.
■ خلف هذا “السقوط اللغز” تداعيات إنسانية زلزلت أركان المجتمع، حيث فر مئات الآلاف من السكان والنازحين هائمين على وجوههم باتجاه ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض، مشاةً وركباناً، في رحلة ضياع كبرى لم تشهد القارة مثيلاً لها في سرعة حدوثها وعمق مأساتها.
■ وفي غمرة ذلك الانهيار، كانت معالم المدينة العريقة تبدل جلدها تحت وطأة المعتدين؛ فالمكتبات التي كانت تفيض بالمعرفة، والأسواق التي كانت عامرة بالحياة ونبض الناس، تحولت في ليلة وضحاها إلى أطلال تشهد على اغتيال الجمال، بينما ظل النيل الأزرق ينساب بصمتٍ حزين، وكأنه يغسل دموع البسطاء العابرين على ضفافه وهم يلقون نظرة الوداع الأخيرة على مدينةٍ انتُزعت منها روحها في غفلة من الزمن، تاركةً خلفها لوعة في القلوب وناراً من القهر لا تنطفئ.
■ المواطن الذي ألجمته الصدمة، لم يجد في القيادة العليا للجيش ما يمتص غضبه سوى الإعلان عن فتح تحقيق عاجل في أسباب انسحاب الفرقة الأولى دون أوامر مباشرة، وهو القرار الذي أثار جدلاً واسعاً وفتح أبواب التساؤل حول “الخيانة” أو “الفشل الإداري” الذي أضاع حاضرة الجزيرة في غمضة عين.
■ قصة سقوط “مدني السني” ليست مجرد تقارير عسكرية أو بيانات سياسية، بل هي آلاف القصص المأساوية التي وثقها النزوح المر، وحكايا سُطرت بدموع الرجال الذين رأوا مدينتهم تنهار أمام أعينهم، ومشاهد دموية رواها الناجون ممن ذاقوا جحيم الأوباش وهم ينتهكون حرمات البيوت والمؤسسات.
■ تلك اللحظات الفاصلة في تاريخ السودان ستظل جرحاً مفتوحاً؛ فما حدث في مدني لم يكن مجرد خسارة جغرافية، بل كان انكساراً معنوياً طال كل بيت سوداني، ولا تزال التفاصيل الدقيقة لما جرى داخل غرف العمليات في تلك الساعات الحرجة تبحث عن حقيقة كاملة تشفي غليل المكلومين.
■ وبينما كان الغدر ينسج خيوطه حول المباني العتيقة، كانت شوارع ود مدني تشهد ملحمة بؤسٍ تفيض بالوجع؛ حيث تحول الفرار إلى غريزة جماعية تحت وطأة الهلع الذي سكن القلوب، فانطلق مئات الآلاف يهيمون على وجوههم في طرقات الأطراف الوعرة، باحثين عن أي ثغرة تخرجهم من جحيم المدينة.
■ أغلقت المدينة المنكوبة مخارجها بمشهد جنائزي مهيب، حيث ضاقت الأرض بما رحبت على نساء يحملن صغارهن بذهول، ورجالٍ ألجمت الصدمة ألسنتهم، ومع الانتشار السرطاني لأوباش المليشيا الذين تغلغلوا في الشرايين الرئيسية والأزقة الضيقة، تقطعت سبل النجاة وباتت “زهرة المدائن” مسرحاً لمطاردات بائسة بين مواطنين عزل وآلة قتل لا ترحم.
■ سار النازحون لساعات طوال تحت لهيب الشمس وفي عتمة الخوف، يلتفون حول القرى البعيدة ويتسللون عبر المزارع هرباً من الارتكازات الغادرة، ليرسموا بوجعهم أقسى فصول النزوح السوداني، حيث لم يكن الهروب مجرد مغادرة لمكان، بل كان اقتلاعاً للأرواح من أجسادها وهي ترى مدني “الجمال” تُسلم لشياطين القبح ليبدلوها خراباً.
نواصل..