أخبار عاجلةمقالات

أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار.. الحلقة التاسعة والعشرون

 

*طيفُ النجاة.!*

 

​■ كنا في ظهيرة ذلك اليوم العصيب، والشمس فوق الرؤوس تلتهب كأنها مرجل، نحو خمسة عشر رجلاً من أهل الصبر، نُصارع صلابة الأرض وعناد التربة الطينية. نكدح بكل ما أوتينا من عزم لكسر (جدول) الماء عند مدخل القرية الشمالي الغربي؛ لا طمعاً في ريٍّ زائف، بل كان تدبيراً دفاعياً لغمر الطريق بالوحل وسد المنافذ أمام القادمين من جهة “المسلمية”، بعد أن صارت الأرض تلد الغزاة في كل غفلة.

​▪️ وبينما كان العرق يتصبب منا والجهد يبلغ مداه، والطورية تشق صمت الحقول بضربات رتيبة، لاحت لنا من بعيد عجاجة كثيفة تتبعها عربة صالون تنهب الأرض نهباً وتزمجر بمحركها كأنها وحش كاسر يتهيأ للانقضاض.

​■ توقفت العربة فجأة، وانفتح بابها عن سحابة من الغبار الكثيف، لترمي في وجوهنا أربعة جنود شداد غلاظ مدججين بالسلاح، يرتدون “كاكي” الغدر الذي صار عنواناً للخراب في “فرقان” و”حلال” الجزيرة المنكوبة.

​▪️ كانوا يشيرون إلينا بتهديد صريح وفوهات “الكلاشات” تطل من النوافذ ببرود قاتل، كأنها تحصي أنفاسنا قبل أن تزهقها بدم بارد.

​▪️ في تلك اللحظة الحرجة، تباينت الآراء؛ إذ رأى بعض الرفاق -تحت وقع الخوف من الرصاص وصوت السلاح المشرع- أن الحكمة تقتضي إفساح الطريق لهم حقناً للدماء، فالروح عزيزة أمام فئة لا تعرف ديناً ولا ذمة.

​■ لكني، ومعي الأخ خالد مأمون ونفر من الذين خبروا تقلبات الدهر في هذه البقعة، كان لنا رأي آخر ينبع من يقين بأن التنازل الأول هو البداية للنهاية المحتومة. تبادلنا النظرات في صمت مهيب، وعيوننا معلقة بالعربة التي اقتربت منا، وكأن في تلك النظرات عهداً متبادلاً على الصمود مهما كلف الثمن؛ فالتراجع لم يكن يوماً شيمة أهل هذه الأرض.

​▪️ ترجل الأوباش جميعاً والشر يتطاير من أعينهم، يحملون غلاً دفيناً ضد كل من يقف في وجه نزواتهم، وأمرونا بغلظة أن نعيد ردم المجرى المكسور فوراً، مهددين بأن “الذخيرة” هي التي ستتحدث بدلاً عن الألسن إذا تمادينا في الرفض.

​■ رمقني أحدهم بنظرة غضب واحتقار، ويبدو من هيئته وصلفه أنه قائدهم، وكنت لا أزال ممسكاً بـ “الطورية” التي غمرنا بها الطريق، متشبثاً بها كأنها سلاحي الوحيد في معركة البقاء. قال وهو يوزع نظرات الاحتقار بنبرة تقطر سماً: “الظاهر أن فكرة الكسر هذه جاءت من هؤلاء العجائز”.

​▪️ قال ذلك وهو يشير إليّ وإلى بعض الشيوخ الوقورين الذين كانوا معنا، ظناً منه أن الشيب قد أضعف العزيمة، أو أن التقدم في العمر يجعلنا الحلقة الأضعف التي يمكن كسرها بالوعيد والترهيب الذي اعتادوا ممارسته مع العُزّل.

​■ سرت لحظات صمت مطبق ومرعبة في المكان، صمتٌ كان يمكن فيه سماع دقات القلوب الواجفة وهي تصطدم بالضلوع، قبل أن يصرخ بقوة: “أمامكم خمس دقائق، إذا لم تردموا الماء سنمطركم بالرصاص!”.

​▪️ وجم الحاضرون، وساد ارتباك صامت، بينما حاول خالد مأمون معهم بكل ما أوتي من حكمة لإقناعهم بأن الغرض هو حماية القرية من اللصوص والعابرين الذين روعوا النساء، إلا أنهم لم يقتنعوا، فهم يرون ألا قوة في الأرض تقرر في أمر القرية غير فوهات بنادقهم التي أهلكت الحرث والنسل.

​■ فجأة، ومن بين ركام الخوف والترقب، برقت في عقلي فكرة للخلاص من هؤلاء “الشفشافة”، فكرة تستند إلى خبرة سابقة ومعرفة بنقاط ضعف هؤلاء الأوغاد الذين يرهبون الرتب أكثر من خوفهم من الخالق.

​▪️ كنت أعلم مدى رعب هؤلاء اللصوص مما يسمى “لجنة مكافحة الظواهر السالبة” التي أنشأتها قيادة المليشيا لتجميل صورتها؛ فهي تدعم عناصرها في النهب سراً، ثم تتبرأ منهم علناً وتسومهم سوء العذاب إذا ما افتضح أمرهم، خوفاً من غضبة الرأي العام وضماناً لسيطرة القيادة على الموقف.

​■ تذكرت إبان تواجدي في منطقة “الصفوة” بأم درمان، كيف رأيت ذعر هؤلاء الأوغاد عند القبض عليهم من أفراد الشرطة العسكرية للمليشيا، وكيف يتحول الجبروت إلى ذل مهين حين يواجهون من هم أعلى منهم تنظيماً.

​▪️ وبينما هم يجادلوننا ويتوعدوننا، مع التذكير بأن الوقت قد أزف وأن ساعة الرصاص قد اقتربت، استجمعت ثباتي ونظرت في عيني القائد مباشرةً، وقلت له بنبرة واثقة لا تهتز: “يا جنابو، لكن كسر هذا المجرى وجهنا به قائد الشرطة العسكرية شخصياً”.

​■ فجأة تغير المشهد تماماً، وانكسرت النبرة الحادة لقائد المجموعة، وتلاشت ملامح الصلف ليحل محلها ارتباك لم يستطع إخفاءه. نظر إليّ باستغراب وسألني بصوت مخنوق يكشف عن رعب مدفون من سطوة القيادة التي لا ترحم: “ماذا قلت؟ قائد الشرطة العسكرية؟”.

​▪️ حينها أجبته بثبات يقيني، مستغلاً تلك الثغرة التي انفتحت في جدار غروره: “نعم، هو القائد عزام كيكل”، وهو القائد الذي استشهد لاحقاً بمسيرة لذات مليشيا الغدر، وكان حينها هو المسؤول عن ضبط العناصر في مدني وأريافها.

​■ كان عزام قد زار مسيد الشيخ الريح قبلها بيومين، وقد شكا له أهل القرية من هجمات اللصوص المتكررة، فوعد بحسم الفوضى وتثبيت ارتكاز كبير بالقرية، ولكنه تأخر في ذلك نتيجة تسارع الأحداث العسكرية في المنطقة.

​▪️ واصلت حديثي مع قائد هؤلاء اللصوص بعدما رأيت الخوف يسكن جوارحه: “قائد الشرطة العسكرية الآن في اجتماع مع الشيخ الريح داخل القرية، وهو ينتظر منا التقرير حول تأمين هذا المدخل وبقية مداخل القرية، فهل تريد أن نبلغه بأنكم تعترضون على أوامره؟”.

​■ أمام هذا الادعاء المحكم والمباغت، تراجع المليشي ومجموعته إلى عربتهم بخطوات مهزوزة، وأداروا ظهرهم عن القرية وقفلوا راجعين خائبين، يجرون أذيال الهزيمة النفسية.

​▪️ صرخ القائد بغضب مكتوم وهو يغادر: “على كيفكم، أنتم تريدون بمائكم هذه إغلاق القرية، لا تريدون أحداً يأتيكم ولا تريدون الخروج لأحد!”. انطلقت العربة تخلف وراءها غبار الخيبة، بينما وقفنا نحن نراقبهم والدهشة تعلو وجوه بعض الشباب الذين لم يصدقوا أن الحيلة قد انطلت على من لا يراعون في الناس إلاً ولا ذمة.

​■ حمدنا الله الذي كفّ عنا هذا الأذى القاتل بصرف هؤلاء القتلة، فالحرب في بلادنا ليست دائماً رصاصاً، بل هي في كثير من الأحيان صراع عقول وإرادات وقوة قلب.

​▪️ واصلنا بعدها إتمام ما بدأناه من إغلاق محكم لمدخل القرية، وسد كل الثغرات التي يمكن أن يتسلل منها المتربصون بسترنا. ثم توجهنا إلى الارتكاز الرئيسي عند “الكوبري” لنشهد الاجتماع اليومي لكل رجال وشباب القرية، حيث كانت تدار شؤون التأمين في جو من التعاون واليقظة التي لا تنام، استعداداً للقادم المجهول.

​■ في عصر ذات اليوم، وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب وتصبغ الأفق بلون الوداع، ضجت القرية وماجت بحركة غير عادية، إثر دخول سبع عربات قتالية تابعة للمليشيا، كاملة التجهيز وبصورة توحي بأن القادم ليس مجرد لصوص عابرين.

​▪️ تقدمت الموكب المهيب عربة تحمل مدفعاً ثنائياً يشرئب نحو السماء، بينما في الخلف تتبعهم عربة تحمل مدفعاً رباعياً، وبين هذا الركام من الحديد والنار، تبرز عربة فارهة مظللة تماماً، توحي بأن من بداخلها يحمل رتبة كبيرة جداً وقراراً نافذاً في تراتبية هذا التمرد.

​■ كنت حينها بالقرب من الكوبري، حين بدأت طلائع هذا الموكب المخيف تطل برأسها، وبدأ الوجوم يسيطر على الوجوه مرةً أخرى، وتساءل الجميع بقلوب واجفة عن سر هذه الزيارة في هذا التوقيت الحرج.

​▪️ توجه الموكب مباشرةً إلى ملعب القرية، الذي كان في تلك اللحظة يضج بحركة الشباب الرياضيين، الذين كانوا يتبارون في دورة محلية لكرة القدم، في محاولة لخلق مساحة من الحياة الطبيعية وسط ركام الموت والترقب الذي يحيط بالجزيرة الخضراء من كل جانب.

​■ توقفت العربة المهمة عند طرف الملعب، وانحبست الأنفاس بانتظار من سيخرج منها، وترجل الزائر المهم الذي كان يرتدي زياً عسكرياً نظيفاً يختلف تماماً عن مظهر الرعاع الذين ألفناهم.

​▪️ كان المشهد مهيباً، والشباب في الملعب قد توقفوا عن الركض، والجمهور قد صمت تماماً، والعيون كلها ترصد حركات هذا القائد الذي اقتحم خلوتهم الرياضية بموكبه الحربي. ساد صمت ثقيل، قطعه صوت المحركات المشتعلة، قبل أن يتقدم الزائر نحو الحشد بخطوات واثقة، وهو يوزع نظراته على الوجوه التي يمتزج فيها التحدي بالترقب.

​■ فمن كان ذاك الزائر الذي أربك سكون العصر بضجيج مدافعه وجنازير عرباته؟ وماذا قال لشباب القرية الذين كانوا يمارسون حقهم في الحياة رغم السواد المحيط بهم؟ وبماذا وعد مواطنيها العزل الذين يواجهون يومياً بنادق الغدر بصدور عارية لا تملك إلا الصمود؟

​نواصل

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى