أخبار عاجلةمقالات

إدريس هشابه يكتب.. قلبُ الفأر لا يصنعُ نمرًا

 

وفق الأسطورة الهندية القديمة، يُحكى أن فأرًا ضاق بحياته، فذهب إلى ساحر يطلب منه أن يحوّله إلى قطٍّ حتى ينجو من مطاردة القطط. وما إن صار قطًّا حتى خاف من الكلاب، فعاد إلى الساحر يطلب تحويله إلى كلب. ولم يلبث طويلًا حتى استبدّ به خوف النمور، فطلب أن يصير نمرًا. لكن حين أصبح نمرًا، بدأ يخشى الصيادين، فعاد مرة أخرى إلى الساحر يطلب الحماية. عندها غضب الساحر وقال: “سأعيدك إلى صورتك الأولى… فأرًا، لأنني منحتك هيئة النمر، لكن قلبك ظلّ قلب فأر.”
تذكّرت هذه الحكاية وأنا أتابع الجدل الذي ضجّت به الوسائط مؤخرًا حول رغبة وجدي شاشات عراب لجنة على بابا (لجنة التمكين) في العودة إلى الوطن، بعد سنوات من الحضور الصاخب خلال فترة حكومة حمدوك، حيث كان محاطًا بحماية “الساحر” — أي السلطة — التي وفّرت له مظلة الحركة والتأثير.
اليوم، ومع تبدّل المشهد، تبدو الرغبة في العودة مشروطة بطلب الحماية الأمنية، خوفًا من ردود فعل الشارع الغاضب، على خلفية مواقف وُصفت لدى قطاع واسع من الناس بأنها مناقضة لإرادة الشعب، الذي اختار الاصطفاف ضد المليشيا وما ارتبط بها من انتهاكات جسيمة من قتل ونهب واغتصاب، في سياق معقّد تتداخل فيه حسابات إقليمية ودولية.
اللافت أن هذه العودة تأتي — بحسب ما يتداول — في ظل تراجع الدعم الخارجي وتغيّر موازين الإسناد، الأمر الذي يعيد طرح سؤال جوهري: هل كانت المواقف نابعة من قناعة وطنية، أم رهينة لمعادلات الدعم والتمويل؟
إن الوطن، في نهاية المطاف، ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لتبديل الأقنعة وفق تغيّر الرياح. ومن حق كل سوداني أن يعود إلى بلده، لكن هذا الحق الأخلاقي والسياسي توازيه مسؤولية الاعتراف بالأخطاء، ومراجعة المواقف، والانخراط بصدق في مشروع وطني جامع.
ما تحتاجه البلاد اليوم ليس عودة الأجساد فحسب، بل عودة الوعي. نحتاج إلى خطاب جديد، يتجاوز الاستقطاب، ويؤسس لحوار حقيقي بين جميع شركاء الوطن، قائم على التواضع السياسي، واحترام إرادة الناس، والسعي نحو ديمقراطية راشدة تنبع من الداخل، لا تُستورد من الخارج، ولا تُشترى بدراهم دويلة الشر أو دولارات المنظمات المشبوهة.
فالتجارب علّمتنا أن من يتبدّل شكله دون أن يتغيّر جوهره، سيظل أسير خوفه، مهما لبس من هيئات القوة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى