إنصاف.. هل يبدأ استرداد الشرعية من الشعب؟

*وسط مشهد سوداني مثقل بالحرب والانقسام.. خرج إلى الساحة كيان جديد يحمل اسما جاذبا.. المنبر السوداني للعدالة الاجتماعية “إنصاف”. وليس لافتا الاسم وحده، بل الرسائل التي أطلقها في أول ظهور له من بورتسودان.
*رئيس المنبر إبراهيم أحمد بابجي، وضع النقاط على الحروف عندما أعلن أن “الشعب السوداني وحده هو مصدر الشرعية، وأن أي شرعية انتقالية أو ثورية تظل مؤقتة إلى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة”. إنها عبارة تختصر أزمة السودان الممتدة منذ عقود،أزمة البحث عن سلطة تستمد مشروعيتها من المواطن لا من البندقية، ولا من الاتفاقات المغلقة، ولا من موازين القوة المؤقتة.
*بابجي لم يكتف بذلك.. بل أكد أن المنبر لا ينتمي إلى حزب سياسي أو مؤسسة عسكرية، وأن هدفه استعادة صوت المجتمعات السودانية، وترسيخ السلم الأهلي، وسيادة حكم القانون، واحترام الاتفاقيات السياسية باعتبارها أدوات للتحول الديمقراطي، مع إعلانه دعم القوات المسلحة في معركة استعادة الدولة.
*هذه المواقف ستجد من يؤيدها، وستجد أيضا من يناقشها أو يختلف معها، لكن الأهم أن السودان يحتاج اليوم إلى حوار سياسي مفتوح، وإلى مشاريع تقاس بقدرتها على بناء الثقة بين المواطنين، لا بمجرد إطلاق الشعارات.
*إعلان المنبر عن حملة لجمع عشرة ملايين توقيع يحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الشرعية لا تمنح بالوصاية، ولا تنتزع بفرض الأمر الواقع، وإنما تستمد من الإرادة الحرة للشعب.
*ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المبادرة إلى عمل ميداني واسع يعبر عن مختلف مكونات المجتمع السوداني،
السودانيون تعبوا من الصراعات التي مزقت الوطن، ومن النخب التي تتحدث باسمهم دون تفويض منهم. ولذلك فإن أي مشروع وطني جديد لن ينجح إلا إذا اقترب من الناس، واستمع إلى معاناتهم، وقدم حلولا لقضايا الأمن، والاقتصاد، والعدالة، وإعادة الإعمار.
*اليوم لا يحتاج السودان إلى مزيد من المنابر بقدر ما يحتاج إلى صدق في المواقف، واستقلال في القرار، وشجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وإرادة حقيقية للعبور نحو دولة المؤسسات والقانون.
*فإذا استطاع “إنصاف” أن يحول شعاراته إلى أفعال.. وأن يثبت استقلاليته، وأن يجعل المواطن شريكا لا مجرد متفرج، فسيكون قد أضاف لبنة جديدة في مشروع استعادة الدولة. أما إذا توقف عند حدود البيانات والمؤتمرات الصحفية، فسيمضي إلى حيث مضت عشرات المبادرات التي ملأت الساحة ضجيجا ثم غابت دون أثر.
*وفي نهاية المطاف.. سيظل الحكم الفصل بيد الشعب السوداني، فهو وحده صاحب الشرعية، وهو وحده القادر على منح الثقة أو حجبها عندما تحين ساعة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.