د. معاوية عبيد يكتب.. اندياح أول النهار… حين اجتمعت الكلمة على الوطن

صرير القلم
ثمة أيام لا تُقاس بالساعات، وإنما بما تتركه من أثر في الذاكرة، ويوم أمس كان واحداً من تلك الأيام التي استعادت فيها الأسرة الصحفية شيئاً من ألقها، حين التأمت الأقلام حول الوطن، واجتمع أهل المهنة على مائدة الحوار، لا يجمعهم سوى همِّ السودان، ولا يفرقهم إلا اختلاف الرؤى الذي يثري النقاش ويجعل الحقيقة أكثر وضوحاً.
في قاعة فندق السلام روتانا، حيث نظم منتدى اندياح للتوعية وصحيفة أول النهار ورشة «أدبيات ممارسة العمل الصحفي» تحت شعار «صحافة مهنية بأقلام وطنية» وبرعاية وزير الثقافة والإعلام، لم يكن الحضور مجرد أسماء اعتادت اللقاء، بل كانت تجارب اختبرتها المحن، وذاكرة وطن أنهكته الحرب، وإعلاميين حملوا الكلمة يوم عزَّ الرجال، فجعلوا من أقلامهم متاريس للوعي، ومنابر للحقيقة، وخنادق للدفاع عن الرواية الوطنية.
استهلت الأستاذة داليا إلياس أعمال الورشة كما يستهل الجراح عمليته؛ بثبات الواثق ودقة العارف، فلم تداهن الواقع، ولم تضع على الجراح مساحيق المجاملة، بل شخصت مواضع الألم في جسد الإعلام السوداني، مستعرضةً ما أصاب الإعلاميين خلال سنوات الحرب، وهي التي عايشت معركة الكرامة لحظةً بلحظة، ورأت كيف يولد الخبر من بين ألسنة اللهب، وكيف تُكتب الحقيقة أحياناً بمداد يمتزج بعرق الميدان. كما تحدثت عن أقلام انحازت إلى الطرف الآخر، و طعنت الوطن في خاصرته وسخرت منصاتها الإعلامية لخدمة مصالحها الشخصية و اجندة الاعداء ، في وقت كان الوطن أحوج ما يكون إلى كلمة مسؤولة تنحاز للحقيقة، وعرت الأستاذة داليا الأقلام التي تتحدث دون مصوغ قانوني و أن القلم الصحفي الحر يتحري الدقة في ما يكتب ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )
ثم جاء الأستاذ محمد حامد جمعة، يحمل في حديثه رائحة الخنادق، وصدق التجربة، ووهج الكلمة التي لم تغادر موقعها رغم اشتداد العاصفة. تحدث عن معركة لم تكن البنادق وحدها عنوانها، بل كانت الكلمة فيها شريكاً أصيلاً في الدفاع عن الوطن، وصناعة الوعي، ورفع الروح المعنوية. كما انتقد من وصفهم بأنهم استهدفوا مؤسسات الدولة إعلامياً دون بينة أو سند قانوني ، معتبراً أن مثل هذه الممارسات أسهمت في خدمة أجندات معادية للوطن ، في وقت كان الوطن أشد حاجة لوقفتهم بجانبه .
وأطل الأستاذ طارق عبد الله بشهادة موجعة، لا يرويها إلا من ذاق مرارة الاعتقال، واختبر قسوة المليشيا الإرهابية، فجاء حديثه شهادةً للتاريخ قبل أن يكون حديثاً للحاضرين، مؤكداً أن الإعلامي في زمن الحرب قد يدفع ثمن موقفه من أمنه وحريته واستقراره ،كما استعرض ملامح مسودة قانون الصحافة والمطبوعات وقانون الصحافة الإلكترونية، مبيناً أنهما قد اكتملت صياغتهما، وأنهما يمثلان خطوة مهمة نحو حماية المهنة وصون حقوق العاملين فيها،
وتوالت المداخلات… وكل مداخلة كانت صفحة من كتاب الحرب؛ قصص عن صحف أغلقت أبوابها، وأقلام أُجبرت على الصمت، وإعلاميين فقدوا مصادر رزقهم، ومؤسسات عصفت بها رياح الحرب، لكن بقي الإيمان راسخاً بأن الرسالة لا تموت، وأن الكلمة الصادقة تجد دائماً طريقها إلى الناس مهما ادلهمت الخطوب.
ولم تكن الورشة مجلساً للبكاء على الأطلال، بل كانت منصة للمراجعة والمصارحة. ناقش المشاركون بشجاعة أوجه القصور التي صاحبت التغطية الإعلامية لمعركة الكرامة، وطرحوا رؤى عملية لتطوير الأداء الإعلامي، حتى يكون أكثر قدرة على نقل تضحيات القوات المسلحة والقوات المساندة لها، وتوثيق الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا الإرهابية بحق الوطن والمواطن.
وجاء مسك الختام بكلمة وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الإعيسر، الذي تحدث بلغة المسؤول الواثق، والأديب المتمكن، والإعلامي الذي يدرك أن الكلمة قد تبني أمة أو تهدم وعياً. تناول النجاحات كما تناول الإخفاقات، وأقر بأن المرحلة المقبلة تستوجب إعلاماً وطنياً مهنياً، قادراً على حماية الرواية الوطنية، ومواكبة التحولات، والانتصار للحقيقة دون إفراط أو تفريط.
ولا تكتمل الصورة دون الإشارة إلى اللمسات الراقية التي أحاطت بالورشة؛ فقد أدارت الأستاذة داليا إلياس الحوار بكفاءة واقتدار، فيما أضفت الأستاذة مشاعر عثمان بحسن الاستقبال وكرم الضيافة وروعة التنظيم أجواءً من الألفة والمحبة، جعلت من الورشة لقاءً يجمع بين الفكر والذوق الرفيع.
لقد صدق الاسم… كان «اندياحاً» للفكرة الوطنية، وامتداداً للكلمة الحرة، وكان «أول النهار» بشارةً بأن شمس الإعلام السوداني لا تزال قادرة على الشروق مهما تكاثفت الغيوم. فالصحافة التي تؤمن برسالتها لا تهزمها الحروب، والأقلام التي تنحاز للوطن لا يجف حبرها، بل يزداد رسوخها كلما اشتدت المحن.
ويبقى الدرس الأبلغ أن الأوطان لا تحرسها البنادق وحدها، بل تحرسها أيضاً الكلمة الصادقة، والإعلام المهني، والقلم الذي يدرك أن الحقيقة مسؤولية، وأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأزمات، وأن فجر الحقيقة، مهما طال ليله، لا بد أن يطلع.