أخبار عاجلةمقالات

اختبار الحرب لمعادن المؤسسات

*مع اندلاع حرب الكرامة في منتصف أبريل، ظن كثيرون أن المعارك لن تتجاوز أياما معدودة، وأن الخرطوم ستستعيد عافيتها سريعا، وتعود الحياة إلى شوارعها وأسواقها ومؤسساتها. لكن الحرب كان لها رأي آخر، فقد امتدت شهورها، وتبدلت معها حياة الملايين، ووجد الناس أنفسهم يغادرون منازلهم، تاركين وراءهم ممتلكاتهم ومدخرات العمر، بحثا عن ملاذ آمن بعيدا عن جحيم المعارك.
*كانت صدمة الحرب أكبر من التوقعات، وكانت المؤسسات أمام امتحان قاس، إما أن تستسلم لواقع الانهيار، أو تبحث عن منافذ جديدة لمواصلة رسالتها. وفي خضم تلك المحنة، برزت تجربة ديوان الزكاة، الذي واجه بدوره عمليات التدمير والنهب وفقدان عدد من ممتلكاته، لكنه لم يتوقف عند حدود الخسارة، بل مضى في البحث عن بدائل تضمن استمرار العمل، فنقل نشاطه إلى ولاية الجزيرة، ثم إلى كسلا، ليواصل أداء واجباته في ظروف استثنائية.
*إن العبرة ليست في أن تنجو المؤسسة من الحرب فحسب، وإنما في قدرتها على الاحتفاظ برسالتها، والوصول إلى الناس في أحلك الظروف. ومن هذا المنطلق، فإن تجربة ديوان الزكاة خلال حرب الكرامة تستحق التوثيق والتقييم والدراسة، باعتبارها تجربة في إدارة الأزمات واستمرارية المؤسسات، وفي كيفية تحويل الإمكانات المتاحة إلى برامج ومبادرات تخفف من معاناة المواطنين.
*لقد كانت الحرب امتحانا حقيقيا لقيمة التكافل الاجتماعي، ووجد ديوان الزكاة نفسه أمام مسؤوليات مضاعفة، في وقت اتسعت فيه دائرة الفقر والنزوح، وتزايدت احتياجات المرضى والأسر المتضررة. ورغم صعوبة المرحلة، استمر الديوان في تنفيذ برامجه ونفراته، وتقديم الدعم للفئات الأكثر احتياجا، محاولا سد بعض الثغرات التي خلفتها الحرب، ومواصلة دوره الاجتماعي والإنساني.
*وإلى جانب تلك الأدوار، قدم الديوان دعما للقوات المسلحة والمستنفرين، وفق ما أُعلن عن برامجه خلال الحرب، في سياق المجهود الوطني الذي صاحب تلك المرحلة.
*واليوم، وبعد كل تلك التحديات، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من مرحلة الاستجابة لآثار الحرب إلى مرحلة بناء تجربة أكثر تطورا، تستفيد من دروس الماضي، وتؤسس لبرامج إنتاجية مستدامة، تجعل الزكاة أداة للتمكين الاقتصادي، لا مجرد وسيلة لتقديم المساعدات الآنية.
*في هذا السياق جاء اللقاء الذي جمع اليوم الأمين العام لديوان الزكاة، د. يحيى أحمد عبدالله القمراوي وقيادات الديوان، بمجموعة من الإعلاميين والدراميين، لتبادل الأفكار والرؤى بشأن تطوير العمل الزكوي خلال المرحلة المقبلة. وقد اتفق المشاركون على أهمية التجربة التي خاضها الديوان خلال الحرب وما سبقها، وما أظهرته من قدرة على مواصلة العمل في ظروف بالغة الصعوبة.
*اللقاء، الذي جاء بترتيب من صحيفة «آخر النهار»، برئاسة الزميلة مشاعر عثمان، ومنتدى «انديـاح» الذي تقوده الزميلة داليا الياس، لم يكن مجرد مناسبة للحديث عن الماضي أو استعراض ما تحقق، بل مثل فرصة لفتح نافذة جديدة للحوار بين المؤسسة والإعلاميين والدراميين، بما يمكن أن يسهم في تطوير الأداء وتوسيع دائرة الشراكة المجتمعية.
*حسنا.. ان ما يمنح مثل هذه اللقاءات أهميتها أن الحديث عن العمل الزكوي لا ينبغي أن يظل محصورا داخل أروقة المؤسسة، فالإعلاميون والدراميون يمتلكون أدوات مؤثرة في نقل قضايا المجتمع، ورصد احتياجاته، وطرح المبادرات التي يمكن أن تتحول إلى برامج عملية. وحين تلتقي خبرة المؤسسة مع أفكار أصحاب المبادرات والخبرات الإعلامية، تتسع فرص الوصول إلى حلول أكثر فاعلية واستدامة.
*ومن واقع اللقاء، برزت الحاجة إلى مواصلة الحوار في جلسة أخرى تتبلور خلالها الأفكار والرؤى، وتتحول المقترحات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، بدلا من أن تبقى مجرد توصيات تحفظ في الأوراق.
*لكن أبرز ما يستحق الوقوف عنده هو المقترح المتعلق بتبني ديوان الزكاة مشروعات إنتاجية لأسر شهداء حرب الكرامة من الصحفيين والدارميين،
فهذه الأسر لا تحتاج إلى كلمات المواساة وحدها، ولا إلى مساعدات تنتهي بانتهاء مناسبتها، وإنما تحتاج إلى مشروعات تحفظ كرامتها، وتوفر لها موردا مستداما، وتمنح أبناءها فرصة الاعتماد على أنفسهم ومواجهة أعباء الحياة.
*إن تحويل هذا المقترح إلى برنامج واضح المعالم، بمعايير عادلة وآليات تنفيذ ومتابعة، سيمثل خطوة مهمة في اتجاه الانتقال من الدعم المباشر إلى التمكين الاقتصادي، وسيمنح الشراكة بين ديوان الزكاة والوسط الإعلامي بعدا عمليا يتجاوز حدود اللقاءات والاجتماعات.
*كما أن نجاح مثل هذه المبادرات يمكن أن يفتح الباب أمام برامج مماثلة تستهدف أسر الشهداء والفئات المتضررة من الحرب، وفق أولويات مدروسة وإمكانات متاحة، بما يعزز العدالة في توزيع الدعم، ويجعل أثر الزكاة أكثر استدامة، ومن واقع اللقاء، برزت الحاجة ايضا إلى مواصلة الحوار في جلسة أخرى تتبلور خلالها الأفكار والرؤى، وتتحول المقترحات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، بدلا من أن تبقى مجرد توصيات تحفظ في الأوراق.
*إن ديوان الزكاة، وهو يستعيد تجربته خلال سنوات الحرب، يمتلك فرصة مهمة للاستفادة من الدروس التي فرضتها المحنة. فالمؤسسات لا تقاس فقط بما تقدمه في أوقات الاستقرار، وإنما أيضا بقدرتها على مواصلة رسالتها عندما تتعقد الظروف وتشتد الحاجة إلى خدماتها.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالإشادة بما تحقق، بل البناء عليه، وتطوير آليات العمل، وتعزيز الشفافية، وتوسيع الشراكات، وربط البرامج الإغاثية بمشروعات الإنتاج والتمكين.
* إن الزكاة، في جوهر رسالتها، ليست مجرد أموال تجمع ثم توزع، وإنما منظومة تكافل تحفظ كرامة الإنسان، وتعين المحتاج على تجاوز محنته، وتفتح أمامه طريقا للخروج من دائرة الحاجة إلى رحاب الإنتاج والعطاء.
وتلك هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج بها تجربة ديوان الزكاة من سنوات الحرب، أن تكون المحنة بداية لتطوير الأداء، وأن يتحول العطاء من استجابة لآلام الحاضر إلى استثمار في مستقبل أكثر استقرارا وإنصافا.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى