أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. في بلادي يعثر المواطن على إنسانيته بعدما يعبر صالة المغادرة

 

يعمل كل حكام الدنيا خدامََا لشعوبهم،يتنافسون في إسعادهم وتدليلهم، يرصفون لهم الطرق ويرفعون عنهم الكلفة، لأنهم يدركون أن الشرعية تأتي من رضا المواطن لا من خوفه.إلا في السودان،فالمواطن هو من يعمل خادمََا لدى الحاكم والمتنفذ.

يتحمل السوداني وحده وزر كل مغامرة طائشة، يدفع من قوت يومه ثمن رصاصة لم يشترها، وثمن اتفاقية لم يوقعها، وثمن منصة لم يدع إليها،حتى إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب التي لا ناقة له فيها ولا جمل نجد المواطن هو من يدفع كلفتها من جيبه المهترئ، بينما يكافأ من أشعل الحريق بكرسي وثير وحقيبة مليئة، كأن الخراب هو المؤهل الوحيد لتسنم المنصب.

لذلك تصدر المشهد عندنا من يتقن الشتيمة على الأسافير، ارتفع شأن من يوزع صكوك الخيانة ويحرض الأخ على أخيه وصار نجم الموسم. في المقابل، ينزوي من يحمل مشروعََا وطنيََا حقيقيََا، من يتحدث عن قمح يكفي أو مدرسة تعلم أو مشفى يعالج أو مصنع ينسج، يهمش كأنه غريب عن البلد وأهله.

يهاجر السوداني فيبدع، لا لأن السماء هناك تمطر ذهبََا،إنما لأن الأرض هناك تحترم من يزرع. يجد التقدير حتى في الدول المصنفة عدوة للسودان دعك من الأشقاء والأصدقاء، لا مجاملة له ولا توددََا لحكومته،لكن لأن تلك البلاد سنت قوانين واضحة تحمي الملتزم وتكافئ المجتهد، لا تسألك عن قبيلتك ولا عن عقيدتك وفكرك،فقط عملك.

زرت دولََا لا تملك ما نملك، لا نيل يفيض ولا ذهب يلمع ولا أرضََا بكرََا، لكنها قررت أن تستثمر في الإنسان. علمته مجانََا في أرقى الجامعات حتى أصبح عالمََا، دربته ليكون أمهر صانعََا،ملكته جواز سفر قوي ليكون مفتاحه ليدخل كل دول العالم دون قيد أو حظر أو حتى تأشيرة عادية.شاهدت أممََا أخرى تمسكت بتراثها، بزيها وبلغتها وعاداتها الأصيلة وفي ذات الوقت تقود المستقبل،عبر تقانات العصر،أصالة مع حداثة تثبت أن التمسك بالهوية الوطنية والثقافية لا تعطل التقدم ولكن تطوعه لثوابتها وشاهدت في بلاد أخرى حكومات تدخر ثرواتها لأجيال لم تأت بعد، حاكمها يركب المترو والدراجة ويقف مع الناس في طابور الخدمات وشراء السلع في الأسواق،فالمال عندهم مال الشعب لا مال القبيلة والأسرة والحاشية المقربة.

نحن نصر على تكرار ذات الأخطاء التاريخية دون عظة أو عبرة، نعلق مصيرنا بشيخ القبيلة حتى إذا أوردنا المهالك، نرهن قرارنا لقائد حركة مسلحة ولو باع بلاده وأهله في أول مزاد، نعطي أصواتنا لحزب ولو كان هو من أورثنا الفقر والجوع. بهذه العقلية قدمنا ظهورنا وأكتافنا سلمََا، فصعد عليها كل طامع صاحب طموح شخصي،حتى لهؤلاء الذين جاءوا من وراء الحدود بحثََا عن غنيمة سهلة المنال وجدوها سائغة في بلادنا.

يعيش المواطن الأصيل في ذل مقيم، هو الذي يحرث ويغرس ويعلم النشء ويضمد الجراح، ثم يبيت على الطوى لا يجد كسرة خبز تسد رمقه،بينما يتنعم باسمه من لم يبذر بذرة ولم يبن فصل للدرس.

يستقيم الحال حين نغير القاعدة، حين يصبح المواطن هو السيد لا المطية وحين يسود القانون على الجميع دون مجاملة او محاباة أو تغول وحين نزن الرجال بما يقدمون من عمل لا بما يملكون من حناجر واسعة تجعجع دون طحن،ساعتها فقط لن نضطر للبحث عن إحترام إنسانيتنا لنعثر عليها بعد خروجنا من صالة المغادرة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى