أخبار عاجلةمقالات

الموانىء.. لغة الارقام

*في عالم الإدارة كثيرون يجيدون إطلاق الوعود، لكن القليل هم الذين يتحدثون بلغة الأرقام،فالارقام حين تتحدث ينتهي الجدل، ويصبح الواقع ماثلا أمام الجميع دون رتوش أو إضافات غير مجديه، وفي هذا الأسبوع وقعت هيئة الموانىء البحرية مذكرة تفاهم مع شركة “ارغاز” التركية وسيكون لهذا التوقيع مابعده.

*المذكرة تمثلت في بناء رصيف بنظام “البوت” بميناء سواكن وهو رصيف ضخم ويعد الأول من نوعه لخدمة الغاز، حيث سيخدم ثلاث بواخر في وقت واحد، مما يسهم في توفير الغاز للسودان بكميات كبيرة تفي بكل احتياجات البلاد وبأسعار زهيدة.
*حسنا.. إن ما طرحه مدير عام هيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني، خلال توقيع هذه المذكرة يستحق أن يقرأ بعين الاقتصاد، لا بعين البروتوكول.

فالرجل لم يقل إن السودان سيحصل على رصيف جديد فحسب، بل كشف عن حقيقة ظلت غائبة عن الرأي العام، وهي أن البلاد كانت تدفع ثمنا باهظا لضعف البنية التحتية الخاصة باستقبال الغاز، حتى بلغت غرامات انتظار البواخر نحو 200 مليون دولار سنويا.
*نعم انه رقم صادم لا يمثل خسارة مالية فقط، وإنما يعكس تكلفة التأخير، وضعف الكفاءة، وأعباء انتهى بها المطاف على كاهل المواطن.
وعندما يربط جيلاني بين إنشاء أول رصيف متخصص للغاز في ميناء سواكن وبين إنهاء هذه الغرامات، فهو لا يتحدث عن مشروع إنشائي، بل عن مشروع إصلاح اقتصادي. فكل دولار يتم توفيره من تكلفة النقل والتخزين والانتظار ينعكس في النهاية على أسعار الغاز، ويخفف الضغوط عن الأسر السودانية.
واللافت في حديثه أنه لم يكتف بعرض الفكرة، بل كشف أن الدراسات اكتملت، وأن وزارات المالية والعدل والنفط شاركت في إعداد المشروع، بما يؤكد أن الأمر تجاوز مرحلة الأحلام إلى مرحلة التنفيذ. وهذه هي الرسالة التي ينتظرها المستثمرون والأسواق، مشاريع مدروسة، وشراكات واضحة، وخطوات عملية.
*إن ميناء سواكن لا يحتاج إلى أرصفة فقط، بل إلى رؤية تجعل منه منصة اقتصادية إقليمية،وإذا نجح هذا المشروع في استقبال ثلاث بواخر غاز في وقت واحد، وتأمين احتياجات البلاد، فإنه سيكون نقطة تحول في قطاع الطاقة والخدمات اللوجستية، وسيعيد تعريف دور الموانئ باعتبارها محركا للنمو الاقتصادي، لا مجرد منافذ بحرية.
*حسنا..اليوم يقف المهندس جيلاني أمام اختبار التنفيذ، وهو الاختبار الحقيقي لكل مشروع استراتيجي. فنجاحه لن يقاس بحفل التوقيع، وإنما باليوم الذي ترسو فيه أول باخرة على الرصيف الجديد، وتنخفض فيه فاتورة الغاز، ويشعر المواطن بأن الموانئ أصبحت جزءا من الحل، لا جزءا من المشكلة.
*إن الدول لا تبنى بالشعارات، وإنما بالمشروعات التي توقف نزيف المال العام، وتحول المرافق الحيوية إلى أدوات للإنتاج والتنمية. وهذا هو المعنى الأعمق الذي حمله حديث جيلاني، حديث لم يكن عن رصيف، بل عن اقتصاد وطن يبحث عن التعافي.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى