أخبار عاجلةمقالات

انواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 46

 

سموم الفرقة

​▪️ كان السودان عندنا في زمن العافية “بيتاً كبيراً” لا جدران فيه بين القبائل، كنا نتقاسم الخبز والهمّ والضحكة، حتى ضاع حد الفرز بيننا. الشمالي يحمل همّ دارفور، والشرقي يتوجع لِما يصيب النيلي. فلم نكن نسأل أحداً “من أين أنت؟” إلا لنتعرف على أهله، لا لنتحقق من خصومته. وكان التنوع عندنا زينة، والامتزاج هو العافية التي تسري في جسد البلد، ولم ندرِ أننا كنا نعيش في جنة لم نعرف قدرها إلا حين بدأت تنهار أمام أعيننا.
​▪️ الحرب التي داهمتنا لم تكن مجرد رصاص، بل كانت “سوساً” نخر في عصب المجتمع. استيقظنا لنجد خطاباتٍ مسمومة تنبت بيننا، يغذيها “تجار الفتنة” الذين أرادوا أن يقطعوا حبال الوصل بين الناس وصارت الأحياء التي كانت تضج بألفة الجيرة، جزرًا موحشة، تغلفها نظرات الشك، بعد أن نجحت المليشيا في زرع بذور الفرقة بين جيران كانوا بالأمس يتقاسمون شاي الصباح، وكأنهم يجهزون المسرح لتمزيق هذا النسيج الذي ظنناه أبدياً.
​▪️ في ضاحية “الصفوة”، عشتُ فصلاً من هذا “الذل” الذي لا يمحوه زمن. جيراني الذين كنت أعدّهم سنداً، باتوا ينظرون إليّ بنظرات تحمل حقداً قبلياً صريحاً لم أعهده فيهم من قبل. صاروا يرمونني بالكلام المسموم علناً: “أنت من أهل الشمالية، أنتم من أكلتم حقوق القبائل على مر التاريخ”. وهي ذات الأسطوانة المشروخة التي تكررها المليشيا لتبرير بطشها، لتخلق عدائية في نفوس بسطاء انجرفوا خلف هذا الزور التاريخي الذي لا أساس له.
​▪️ أصبحوا يتحاشونني في الطرقات كأنني موبوء. انسحبوا من مجالسنا، وأوصدوا أبوابهم في وجه أي محاولة للود. شعرتُ حينها أنني محاصر في منزلي، ليس بسياج من طوب، بل بسياج من “النبذ الاجتماعي” الذي فُرض عليّ بقوة التحريض. نجحوا في تحويلي من “جار وصديق” إلى “هدف”، في مفارقة مريرة لا يصدقها عقل سليم، وكأن الجوار الذي بنيناه سنين قد تبخر في لحظة واحدة.
​▪️ هذه العدائية هي محصلة لسنوات من تراكمات الغبن التي استثمرت فيها المليشيا بـ”خبث شيطاني”. استغلت وجع الناس، وحولته إلى سلاح لتدمير البيت من الداخل. والأسوأ، أن “أهل الفكر” الذين كنا ننتظر منهم كلمة حق، آثروا الصمت، تاركين البسطاء فريسة لهذا التشويه الذي ينهش عظام الدولة، متناسين أن نار الفتنة إذا اشتعلت لن تستثني أحداً، وستحرق الأخضر واليابس.
​▪️ لستُ وحدي من ذاق مرارة هذا الانكسار، هي قصة آلاف الأسر التي وُصمت بسبب أصلها أو لهجتها. صارت “الهوية” في زمن الحرب تهمة تستوجب العقاب. كنا نرى هذا في التعامل اليومي، في التفتيش، وفي الإهانات التي تُكّال للناس بناءً على مناطقهم الجغرافية. لقد نجحت المليشيا عبر حربها في جعل “الوطن” صغيراً جداً، بحجم القبيلة أو القرية، بعد أن كان يتسع للجميع تحت مظلة واحدة، وهذا هو الانكسار الحقيقي.
​▪️لعل أخطر ما خلفته هذه النعرات هو “شرعنة” الكراهية. أصبح من الطبيعي أن يبرر أحدهم نهب منزل جاره لأنه من ” الإقليم الفلاني “، وكأن الظلم الجماعي كفارة للظلم التاريخي الذي يتوهمونه. فسحق هذا الانحدار الأخلاقي ما تبقى من قيم، واستبدل ميثاق العيش بـ”شريعة الغاب”، حيث القوي يأكل الضعيف، وصوت العقل يضيع وسط ضجيج الغوغاء.
​▪️ أتأمل هؤلاء الجيران، وأتساءل بمرارة: هل يدركون أنهم يهدمون السقف الذي يحميهم؟ العداء للآخر لن يجلب إلا مزيداً من الفقر والشتات!!!! . فالذين يظنون أنهم سينتصرون بقبليتهم، سيكتشفون يوماً أن المليشيا لا تحترم عهداً، وأنها تستخدمهم كأدوات، حتى إذا انتهت المهمة، صاروا هم أول الضحايا. التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يكرر دروسه القاسية لمن لا يتعظ.
​▪️سادتي… علينا أن نواجه الحقيقة: لقد سقط الكثيرون في امتحان “الأخلاق”. فحين نغلق الأبواب في وجه الجار، نكون قد خسرنا أنفسنا قبل بيوتنا. الجيرة لا تعرف حدوداً جهوية، والمواطنة هي الميثاق الأسمى. ومن المحزن أن نرى هذا التراجع بعد أن قطعنا أشواطاً في بناء الدولة. كيف نثق فيمن يرى في جاره خصماً لمجرد اختلاف في المنبت؟
​▪️ المقاطعة التي فرضت عليّ هي حصار يطال الروح، لا الجسد. فقد كان حصارا يهدف إلى تدجين الإنسان ليقبل بالظلم، ويتحول إلى “بوق” للكراهية. لكن، رغم هذا العزل، سأظل مؤمناً أن هذه “لوثة” عارضة. لن ننسى الوجوه التي انقلبت، ولكننا لن نستسلم لإرادتهم، وسنظل نتمسك بكوننا سودانيين، قبل أي شيء آخر، فالعرق لا يحدد الكرامة، والمنبت لا يصنع النبل.
​▪️ فقدت الكثير من الأصدقاء، ليس لأنهم ماتوا، بل لأنهم “تغيروا” تحت ضغط الآلة الإعلامية للفتنة. تغيروا لدرجة أنني لم أعد أجد في أعينهم تلك المودة التي كانت تجمعنا. إنها “غربة الجوار” التي لا توصف. لكن هذا الألم لا يقلل من يقيني بأن النسيج الاجتماعي أصلب مما يظنون. سيعود الناس يوماً ليعتذروا عن هذا الحماس الأعمى، حين يكتشفون حجم الخسارة الفادحة.
​▪️سادتي.. نحن مطالبون اليوم بتبني خطاب “عابر للجهوية”. يجب أن نفضح كل من ينشر السموم، مهما كانت دوافعه. فالصمت تجاه خطاب الكراهية هو اشتراك جنائي في الجريمة.لذا يجب أن نرفع أصواتنا لندافع عن قيم التعايش التي كانت سائدة، وأن نؤكد للجميع أن المستقبل يبدأ بالاعتراف بالآخر، لا بإقصائه أو محاصرته.
​▪️ أقول لمن تحاشوني: لم أكن يوماً عدواً لكم، ولن أكون. أنا ضحية مثلكم لهذه الحرب، وأنتظر اللحظة التي تنهار فيها هذه الجدران الوهمية. والتاريخ لن يرحم الذين استغلوا الحرب لتصفية حساباتهم، وسيظل وصمة عار تلاحقهم. أما نحن، فسنراهن على الضمير الحي الذي لا بد وأن يستيقظ في قلوب الأوفياء.
​▪️ كيف نبني ميثاقاً اجتماعياً جديداً يمنع تكرار المأساة؟ الإجابة ليست في القوانين الجافة، بل في “تربية القلوب” على قبول الاختلاف. يجب أن نغرس في أبنائنا أن قيمتهم ليست في “القبيلة”، بل في عملهم ونبلهم وموقفهم تجاه الآخر. هذا هو السبيل الوحيد لاستعادة وجه السودان الذي نحب.
​▪️ فصول الحكاية لا تزال تروي تفاصيل المسافة بين ما كنا عليه وما آل إليه حال النفوس، والدروس لا تزال تُكتب بمداد الألم الذي لن يطول بقاؤه على ذات الوتيرة.
​نواصل.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى