د. أماني أحمد خالد تكتب.. أخلاقيات الطالب: بين أمانة العلم ومسؤولية التربية

درة زمن
ما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع الحساس هو مشاهدتي لمقطع فيديو يتحدث فيه شخص غير سوداني عن نزاهة السودانيين، وأمانة الطالب في الشهادة السودانية، حيث أشار إلى أن الغش يُعد من الجرائم الكبرى في نظر المجتمع السوداني، وما زال هذا المفهوم قائمًا حتى يومنا هذا. وقد قارن ذلك بمجتمعه، منتقدًا دور بعض أولياء الأمور الذين يدفعون أبناءهم إلى الغش، حسب تعبيره.
إن الشهادة التي تُنال بالغش أو التزوير تفقد قيمتها، وتتحول من وسيلة للارتقاء إلى عبء أخلاقي يلاحق صاحبها طوال حياته. والأسوأ من ذلك أن هذه الممارسات تُخرج أفرادًا إلى المجتمع يفتقرون إلى الكفاءة الحقيقية، مما ينعكس سلبًا على مختلف مجالات الحياة.
في كل مجتمع يسعى إلى التقدّم، تظل الأخلاق هي الأساس الذي تُبنى عليه النهضة الحقيقية، ويأتي الطالب في مقدمة من يُنتظر منهم حمل هذه القيم وترجمتها إلى سلوك عملي. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد مكان لتلقي المعرفة، بل هما ميدان لتكوين الشخصية، وغرس الأمانة، وتعزيز روح المسؤولية.
ومن أخطر الظواهر التي بدأت تتسلل إلى الوسط الطلابي ظاهرة انتحال الشخصية، سواء للجلوس في الامتحانات أو حضور المحاضرات بدلًا عن الطالب. وهذه الظاهرة لا تهدد نزاهة التعليم فحسب، بل تضرب في عمق القيم الأخلاقية للمجتمع، خاصة وأن العلم أمانة لا يجوز التلاعب بها.
وأثناء حديثي مع بعض طالبات الجامعة، علمت أن إحدى الجامعات المرموقة منعت ارتداء النقاب داخل الحرم الجامعي، واستبدلته بالكمامة، مما أثار فضولي للبحث عن السبب. فتبين أن هذا القرار جاء نتيجة لبعض الممارسات غير الأخلاقية المرتبطة بانتحال الشخصيات باستخدام النقاب. ومما يزيد الأمر خطورة أن هذه الممارسات قد تسيء إلى فئات تسعى أصلًا إلى الالتزام بالقيم الدينية، مما ينعكس سلبًا على صورتهم في المجتمع.
إن انتحال الطالب لشخصية غيره يُعد خيانة مزدوجة: خيانة للثقة التي أولتها له أسرته ومعلموه، وخيانة للعلم الذي يفترض أن يكون طريقًا للصدق والاجتهاد.
ولا يمكن معالجة هذه الظاهرة بمعزل عن جذورها الأساسية، وعلى رأسها التربية المنزلية. فالبيت هو المدرسة الأولى، وهو الذي يغرس في الطفل معاني الصدق والأمانة منذ الصغر. فإذا نشأ الطفل في بيئة تبرّر الخطأ، أو تتساهل مع الكذب، أو تقدّم النجاح بأي وسيلة على القيم، فإنه يكبر وهو يحمل مفاهيم مشوهة عن التفوق والإنجاز. أما إذا تربّى على أن الجهد هو الطريق الوحيد للنجاح، وأن القيم لا تُساوَم، فإنه يصبح أكثر وعيًا بخطورة هذه السلوكيات.
ولا يقتصر دور الأسرة على التوجيه بالكلام، بل يتجلى في القدوة العملية؛ فالأب الصادق، والأم الأمينة، يزرعان في أبنائهما حب الصدق ونفورهم من الغش دون شعور مباشر. كما أن الحوار المستمر، والمتابعة، وتعزيز الثقة بالنفس، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية سوية ترفض الطرق الملتوية.
وفي المقابل، تتحمل المدرسة مسؤولية كبيرة في ترسيخ القيم الأخلاقية، ليس فقط عبر القوانين والعقوبات، بل من خلال التوعية المستمرة، وبيان خطورة هذه السلوكيات على الفرد والمجتمع. كما ينبغي أن يكون المعلم قدوة في النزاهة والعدل، وأن يشجع الطلاب على الاعتماد على أنفسهم وتقدير جهودهم.
ختامًا، فإن أخلاقيات الطالب ليست مسألة ثانوية، بل هي جوهر العملية التعليمية. ومواجهة ظاهرة انتحال الشخصيات تتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع. فبناء جيل صادق أمين لا يتحقق إلا بتربية سليمة تنبع من البيت، وتُعزّزها المدرسة، ليصبح الطالب إنسانًا نافعًا لنفسه ولمجتمعه، قائمًا على العلم الصحيح والقيم الراسخة.