د. محمد بشير عبادي يكتب.. أزمة الوقود في السودان.. بين تفاؤل التصريحات وواقعية مشهد الطوابير

أزمة الوقود التي يمر بها السودان هذه الأيام،ماهي إلا صورة مصغرة في مشهد الإقتصاد الوطني المنهار،إذا توفر المال فما اسهل شراء البترول ومشتقاته الذي تجوب سفنه البحار بحثََا عن مشترٍ ولكن المال في بلادي يذهب لغير أولوياته.
لقد عادت طوابير السيارات أمام محطات الخرطوم لتمتد لأكثر من ثلاثة كيلومترات وامتدت الأزمة إلى عدد من الولايات، مع تنامي السوق السوداء وعودة سماسرة الأزمات وارتفاع سعر الجالون خارج القنوات الرسمية إلى مستويات قياسية.
على خلفية هذا المشهد، أجرى رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، أمس الأربعاء، جولة ميدانية على محطات الخدمة بالعاصمة برفقة وزير الطاقة المعتصم إبراهيم ووالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، للوقوف على توفر المشتقات وضمان انسيابها.
رسالة الجولة كانت سياسية بقدر ما هي خدمية،قال إدريس إن “الحرب انتقلت من حرب عسكرية إلى حرب اقتصادية”، وأضاف “الحرب الاقتصادية مقدور عليها”، موجها بإمداد محطات الخدمة بالمزيد من المواد البترولية والإسراع في تزويد سيارات المواطنين لتفادي التكدس، حاثا البنوك على معالجة المشكلات الفنية في التطبيقات المصرفية التي تعرقل الدفع.
لكن التصريحات وحدها لا تحل معادلة الوقود،فالسودان يستورد قرابة (100 ألف طن) من الوقود شهريََا بقيمة (40 مليون دولار)، وتجري (42) شركة مفاوضات مع وزارة الطاقة لزيادة الأسعار بسبب انهيار الجنيه، بعد أن قفز الدولار في السوق الموازي من حوالي (4000 جنيه) في (2025م) إلى نحو (8200 جنيه) اليوم وهو ما ضاعف سعر جالون البنزين من (20 ألفََا) إلى (40 ألف) جنيه.
هنا تكمن جوهر الأزمة،فالدولة تقول “الوقود متوفر” وتوعد بضخ كميات إضافية والمواطن يرى الطابور ولا يرى الوقود ومعالجة الازدحام بتسريع التزويد وإصلاح تطبيقات البنوك إجراء ضروري، لكنه مسكن سريع، كما وصفته تقارير ميدانية، ما لم تعالج جذور المشكلة بتوفير النقد الأجنبي للمستوردين، وضبط التوزيع ومنع المركبات غير المقننة والسمسرة داخل المحطات ووضع آلية تسعير شفافة تمنع انفجار السوق السوداء.
زيارة رئيس الوزراء مهمة لأنها أعادت هيبة الدولة إلى الشارع، ورسالتها “جيش واحد شعب واحد” التي رددها المواطنون تعكس حاجة الناس لرؤية المسؤول في الميدان،لكن الاختبار الحقيقي،فيما بعدها،هل ستختفي الطوابير غدََا؟، أم ستعود الحكومة لتفاوض الشركات سرا على سعر جديد؟!!