د. محمد بشير عبادي يكتب.. تصدير العقول.. ثروة السودان التي لا تنضب

واجهت الهند قبل عقدين معضلة ديموغرافية ظاهرة، فهي تخرج كل عام ملايين الخريجين من الجامعات والمعاهد التقنية في تخصصات الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات بما يفوق قدرة سوقها المحلي على الاستيعاب وقد اختارت الدولة الهندية ألا تتعامل مع هذا الفائض بوصفه عبئََا اجتماعيََا، بل بوصفه موردََا استراتيجيََا قابلََا للتصدير. فأنشأت كيانََا مؤسسيََا معنيََا بشؤون الهنود في الخارج وأطلقت برنامجََا وطنيََا لتنمية المهارات يربط المناهج التدريبية باحتياجات أسواق العمل في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية وأبرمت اتفاقيات ثنائية لتنقل الأيدي الماهرة وفق عقود تحمي العامل وتضمن تدفق عائداته. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية عن تحول بنيوي في ميزان المدفوعات الهندي، إذ تشير تقديرات البنك الدولي لعام 2024م إلى أن الهند أصبحت أكبر متلق لتحويلات المغتربين في العالم بحجم بلغ (129 مليار دولار)، تليها المكسيك بنحو (68 مليار دولار) ثم الصين بنحو (48 مليار دولار) وهو ما يفوق في حالة الهند إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدة الإنمائية الرسمية إليها،لقد تحول المغترب الهندي في الوعي السياسي والاقتصادي الهندي من مجرد مهاجر إلى أصل اقتصادي منتج وسفير للاقتصاد الوطني.
إن الحالة السودانية تقدم نفس المعادلة الديموغرافية لكن في سياق أكثر حدة،فالجامعات السودانية تخرج كل عام آلاف الكفاءات في الطب والهندسة والتربية والإعلام وعديد التخصصات الأخرى،بينما تراجع الجهاز الإنتاجي الوطني بفعل عدم الأستقرار السياسي ومن ثم الحرب إلى درجة لم يعد فيها قادرََا على استيعاب هذه الطاقات وكانت النتيجة الطبيعية هجرة واسعة، حيث تشير تقديرات المنظمات الدولية إلى وجود أكثر من خمسة ملايين سوداني في الخارج، منهم نحو مليون ونصف لجأوا إلى مصر وحدها منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م وتشير تقديرات خبراء مصرفيين إلى أن تحويلات هؤلاء المغتربين تبلغ نحو ثلاثة مليارات دولار سنويََا، وهو رقم يفوق في بعض السنوات عائدات الصادرات الزراعية والحيوانية مجتمعة، غير أن المفارقة أن ما يزيد على(92%) من هذه التحويلات لا يمر عبر الجهاز المصرفي الرسمي، بل يجري تداوله عبر شبكات الحوالة غير الرسمية وتجار العملة المنتشرين في دول الخليج ومصر وعدة دول أفريقية من جهة وأسواق الخرطوم وأمدرمان وبورتسودان من جهة أخرى وقد قدرت ذات المصادر أن نحو (2.77 مليار دولار) تتدفق سنويََا خارج القنوات الرسمية لتغذي السوق الموازية وترفع تكلفة النقد الأجنبي على الدولة والمواطن معََا.
إن هذه الظاهرة ليست وليدة انعدام الولاء الوطني لدى المغترب،إنما هي نتاج منطق اقتصادي عقلاني يفرضه ازدواج سعر الصرف،فالمغترب حين يجد أن السعر الرسمي يقل بنحو (40%) عن سعر السوق الموازي وأن التحويل المصرفي يستغرق أيامََا مع متطلبات إجرائية معقدة، بينما يمنحه تاجر العملة سعرََا أفضل وتسليمََا فوريََا عبر تطبيق تراسل، فإنه سيختار القناة التي تعظم قيمة جهده لصالح أسرته وقد أثبتت التجربة السودانية ذاتها صحة هذا الاستنتاج، ففي سبتمبر 2021م وعقب قرار توحيد سعر الصرف ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة الانتقالية، بلغت التحويلات عبر القنوات الرسمية (307 ملايين دولار) في شهر واحد،كما أثبتت التجربة المصرية في مارس 2024م أن توحيد سعر الصرف أعاد أكثر من (80%) من تحويلات المصريين إلى النظام المصرفي، لتصل إلى (22.7 مليار دولار) في ذات العام، بينما استقرت تحويلات المملكة المغربية عند (12 مليار دولار) لتصبح نحو (20%) من موارد الجهاز المصرفي المغربي.
إن الاستفادة من التجربة الهندية في الحالة السودانية لا تعني استنساخ النموذج، بل تعني استلهام منطقه في تحويل الهجرة من نزيف إلى استثمار،فتوحيد سعر الصرف على أسس واقعية يمثل المدخل الأول لاستعادة ثقة المغترب، إذ لا يمكن لأي حافز آخر أن ينافس فارق السعر. ويليه إصلاح البنية التقنية للتحويلات عبر إتاحة فتح الحسابات بالعملة الأجنبية والمحلية عن بُعد من خلال تطبيقات مصرفية موثوقة، مع تمكين المغترب من سداد التزامات أسرته المباشرة من فواتير الكهرباء والرسوم الجامعية من رصيده المحول، بحيث يصبح التحويل الرسمي أسرع وأيسر من التحويل غير الرسمي،ثم أن طرح أوعية ادخارية خاصة بالمغتربين على غرار الودائع الدولارية التي جمعت بها الهند عشرات المليارات، أو إصدار سندات إعمار بالدولار مخصصة للسودانيين في الخارج بعائد مجز، مع ربطها بمزايا ملموسة كتخصيص أراض سكنية أو إعفاءات جمركية محدودة، من شأنه أن يحول التحويل الاستهلاكي إلى استثمار تنموي طويل الأجل. ويقتضي ذلك إعادة تعريف دور جهاز تنظيم شؤون السودانيين في الخارج ليصبح مؤسسة لتصدير الكفاءات بعقود رسمية تحمي حقوق العامل وتضمن حصة الدولة من رسوم التوظيف، على غرار النموذج الفلبيني الذي ينظم خروج نحو مليوني عامل سنويََا وفق معايير مهنية معتمدة،كما أن ربط التحويلات الرسمية بحزمة حوافز اجتماعية كالتأمين الصحي لأسرة المغترب أو نقاط تفضيلية في الخدمات التعليمية من شأنه أن يرسخ علاقة الشراكة بدلََا من علاقة الجباية.
إن ثلاثة مليارات دولار تتدفق عبر القنوات الرسمية تعني أكثر من مجرد رقم في ميزان المدفوعات، فهي تعني توفير تمويل مستدام لاستيراد القمح والدواء والوقود دون اللجوء إلى السوق الموازية وتعني استقرار سعر الصرف وتخفيف الضغط على تكلفة إنتاج الخبز وتعني تحويل المغترب إلى شريك في الإعمار.
إن الهند لم تكن تمتلك نفطََا، لكنها امتلكت عقولََا صدّرتها فعاد عليها نفط من نوع آخر والسودان الذي يملك الأرض والماء والعقول المهاجرة، قادر على أن يجعل من مغتربيه موردََا اقتصاديََا راسخََا إذا ما انتقلت الدولة من منطق الجباية المباشرة إلى منطق التحفيز ومن إدارة الأزمة إلى إدارة الثروة.