أخبار عاجلةمقالات

محمد بشير عبادي يكتب.. التخدير المنظّم للشمال.. الأهالي يقرعون ناقوس الخطر

 

يُزْمِع أهالي قرى جنوب بربر الدخول في إعتصام مفتوح بمناطق الخيراب والكنزياب في الثالث من أكتوبر القادم،ما دفعهم لهذه الخطوة،لم يكن لحادثة عابرة،إنما لتراكم شعور عميق بأن الخطر بات داخل البيوت وأن المناشدات التي رفعت إلى والي نهر النيل واللجنة الأمنية لم تجد طريقها إلى المعالجة الميدانية، فالبيان الذي صدر باسم اللجنة الشعبية يعكس تحولََا في مزاج الشمال، من مجتمع كان يعتبر نفسه بمنأى عن آفة المخدرات إلى مجتمع يجد نفسه مضطرََا لحماية أبنائه بنفسه عبر الاحتجاج السلمي المنظم.

ولاية نهر النيل والولاية الشمالية عرفتا تاريخيََا باستقرارهما وانخفاض معدلات الجريمة فيهما، لكن تبدل الظروف بعد حرب الخامس عشر من أبريل خلق بيئة مختلفة تمامََا،فالقوة الشرطية تقلصت إلى حد كبير بعد نقل أعداد كبيرة منها إلى مناطق العمليات والنيابات والمحاكم تعمل بقدرات محدودة وفي الوقت نفسه استقبلت الولايتان أعدادََا ضخمة من النازحين وهو ما أدى إلى ضغط سكاني ومعيشي غير معتاد،فوق ذلك انتعش التعدين الأهلي بشكل غير مسبوق في العبيدية وأبو حمد والدبة ومروي وغيرها وأصبحت السيولة النقدية متوفرة بيد فئات شابة وهذا المزيج من الفراغ الأمني والوفرة النقدية والاكتظاظ السكاني هو الحاضنة التي تنمو فيها تجارة المخدرات.

الأرقام الرسمية تكشف حجم الانعطافة،فخلال شهر واحد فقط أحصت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات (11011)بلاغََا في عموم البلاد، وأوقفت(1132) متهمََا، وضبطت أكثر من (256) كيلوجرامََا من الحشيش و(371 ألف) قرص مخدر ونحو (226) كيلوجرامََا من الآيس كريستال وفي نهر النيل وحدها شهد العام الماضي ضبطيات متتالية، منها ستة أطنان من النحاس المهرب مع (30 ألف) طلقة كلاشنكوف وكميات من الحبوب المخدرة في عملية نفذها جهاز المخابرات العامة وضبط (12 ألف) رأس بنقو و(700) جرام آيس في عمليتي شندي وعطبرة، ثم أربعة عشر ألفا ومائتين وخمسة وتسعين قرص نيرفاكس في معبر العوتيب في أغسطس الماضي،أما الكشف الأكبر فكان في الجيلي شمال الخرطوم حيث عثر الجيش بعد استعادتها على مصنع متكامل لإنتاج الكبتاجون بطاقة (100) ألف قرص في الساعة وبمواد خام تكفي لتصنيع سبعمائة مليون قرص وفق تقديرات رسمية وهو ما يوضح أن السودان لم يعد مجرد ممر لعبور المخدرات إلى العالم،بل أصبح ساحة تصنيع واستهلاك.

هذا التحول لا يفسره نشاط تجار أفراد،هي شبكات منظمة تستفيد من تفكك أجهزة الضبط،فبعض التشكيلات المسلحة التي تمركزت في الشمال اتجهت إلى فرض إتاوات على أسواق التعدين وتأمين مسارات التهريب لتوفر المال لمنسوبيها أو بالأحرى الثراء السريع لهم،كما أسهم الانتشار المكثف لمعدنين أجانب غير مقننين في نقل أنواع رخيصة وسريعة الإدمان مثل الآيس والكبتاجون إلى داخل المناجم، حيث يلجأ بعض العمال إلى تعاطيه للسهر الطويل ثم يتحول المدمن نفسه إلى حلقة توزيع داخل الموقع،يضاف إلى ذلك إطلاق سراح عدد من المحكومين في قضايا مخدرات من السجون في الأشهر الأولى للحرب بواسطة مليشيا الدعم السريع المتمردة وهو ما أعاد إلى الواجهة شبكات كانت قد تفككت سابقََا.

الأثر الاجتماعي لهذا المسار أعمق من حسابات الربح والخسارة، فالشباب المستهدف في قرى بربر ودنقلا ومروي هو نفسه الذي يعول عليه في الزراعة والتعدين والخدمات وحين يقع في إدمان الآيس يفقد قدرته على العمل وينقطع عن أسرته ويتحول إلى عبء عليها ومع اتساع الظاهرة يتراجع التماسك الأسري ويضعف الاقتصاد المحلي ويفقد المجتمع قدرته على الاعتراض على نهب موارده،إن تحويل الشاب المنتج إلى مدمن هو في جوهره تحويل للمجتمع من مجتمع مقاوم إلى مجتمع مستسلم، وهذا ما يجعل بيان جنوب بربر يتجاوز حدود قرى محددة إلى قضية تخص الولايتين معََا.

مواجهة هذا الواقع تتطلب مقاربة تتجاوز الحملات الموسمية، فالولايتان بحاجة إلى خطة أمنية خاصة تضع مكافحة المخدرات في صدارة الأولويات عبر قوة مشتركة من الجيش والشرطة والمخابرات وإلى تنظيم صارم لقطاع التعدين يبدأ بترحيل المعدنين الأجانب غير المرخصين وغير المقيمين بصفة رسمية وإغلاق الأسواق العشوائية التي تحولت إلى بؤر توزيع للمخدرات وإلى إخراج كافة التشكيلات المسلحة غير النظامية من المدن ومراكز التعدين وإلى تخصيص نيابة ومحكمة نوعية في كل مدينة من مدن نهر النيل والشمالية للفصل السريع في قضايا المخدرات حتى لا يفلت المتورطون بفعل التقادم أو الاكتظاظ،فما لم تتخذ إجراءات ملموسة على الأرض فإن اعتصام الخيراب والكنزياب سيكون مجرد بداية لموجة احتجاجات أوسع يفرضها إحساس الأهالي بأن أمن أبنائهم واستقرار مناطقهم في خطر.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى