أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. حذف الأصفار وإعادة هيكلة العملة

 

برزت هذه الأيام أحاديث عن توجه للدولة لحذف الأصفار من العملة السودانية وذلك بما رشح من أخبار متداولة على وسائل التواصل الإجتماعي ولو أنه لم يصدر قرار أو بيان رسمي توضيحي من الجهات المختصة.

ترتبط فكرة حذف الأصفار بتاريخ طويل من التجارب النقدية التي لجأت إليها الدول بعد فترات من التضخم المزمن أو نتيجة تآكل القوة الشرائية للعملة بما يجعل التعامل اليومي مثقلاً بالأرقام،ظهر هذا الإجراء بصورة منظمة لأول مرة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حين أعادت دول مثل ألمانيا وفرنسا إصدار عملات جديدة بإسقاط عدد من الأصفار لاستعادة الانضباط النقدي وتبسيط الحسابات ومنذ ذلك الحين تكررت التجربة في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا، ليس كعلاج للأسباب الجذرية للتضخم، بل كأداة فنية ونفسية لإعادة تأهيل العملة في وعي المواطن ومنحها مظهراً أكثر استقراراً.

يمكن تعريف حذف الأصفار بأنه عملية تقوم بها السلطة النقدية بإعادة تسمية الوحدة النقدية الوطنية، بحيث يُستبدل مبلغ معين من العملة القديمة بمبلغ أقل منه بعدد محدد من الأصفار في العملة الجديدة مع بقاء القوة الشرائية دون تغيير،فإذا تم حذف صفرين مثلاً فإن المائة وحدة من العملة القديمة تصبح وحدة واحدة من العملة الجديدة ولا تتغير أسعار السلع أو الأجور أو المدخرات بالقيمة الحقيقية وإنما يتغير الشكل الرقمي فقط،بذلك يكون الإجراء اختزالاً للواجهة العددية للعملة لا تخفيضاً لقيمتها ولا إعادة تقييم لاقتصاد الدولة وإنما تبسيطاً لوسيلة القياس والتبادل ومخزن القيمة.

وينطلق المفهوم من أن العملة عندما تتراكم عليها الأصفار تصبح عبئاً على التداول اليومي وتزداد أخطاء الحسابات وترتفع كلفة الطباعة والنقل والتخزين وتترسخ صورة ذهنية عن عملة “ثقيلة” حتى وإن توقف التضخم فعلياً، لذلك يأتي حذف الأصفار لتقليص الفجوة بين القيمة الاسمية والقيمة الحقيقية، وتسهيل المعاملات ومنح العملة هيبة أكبر في الداخل والخارج.

وقد مر السودان بهذه التجربة ثلاث مرات،المرة الأولى كانت في (يونيو 1992م) عندما ألغي “الجنيه السوداني الأول” واستبدل بـ “الدينار السوداني” بسعر عشرة جنيهات مقابل دينار واحد، أي بحذف صفر واحد، وجاءت الخطوة في سياق تضخم متسارع، المرة الثانية كانت في (يناير 2007م) بعد توقيع اتفاقية السلام الشاملة، حيث تم إلغاء الدينار والعودة إلى “الجنيه السوداني الثاني” بسعر مائة دينار مقابل جنيه واحد، أي بحذف صفرين، بهدف توحيد النظام النقدي بعد دمج عملتين مختلفتين وتسهيل الحسابات في مرحلة انتقالية، أما المرة الثالثة فكانت في (فبراير 2021م) حين طرح بنك السودان المركزي فئات نقدية جديدة من فئة الخمسمائة والألف جنيه في ظل تضخم حاد وانهيار كبير في سعر الصرف واعتبرت هذه الخطوة إعادة هيكلة عملية للعملة اقتربت من حذف صفرين رغم عدم الإعلان الرسمي عن ذلك.

وتؤكد التجارب التاريخية بما فيها التجربة السودانية أن حذف الأصفار لا يحقق أثراً مستداماً بمعزل عن إصلاحات اقتصادية حقيقية،فهو لا يعالج العجز المالي أو اختلالات ميزان المدفوعات أو ضعف الإنتاج وإنما ينجح عندما يقترن بسياسات نقدية ومالية منضبطة تحد من التمويل بالعجز وتضبط الإنفاق وتعيد الثقة في العملة،فالدول التي سبقت الخطوة بإصلاحات حقيقية احتفظت بالشكل الجديد للعملة لسنوات طويلة، بينما تلك التي اكتفت بتغيير الشكل عادت الأصفار للظهور من جديد.

عليه فإن حذف الأصفار هو في جوهره إعادة تعريف للعملة بما ينسجم مع واقعها الاقتصادي ومنحها فرصة لبداية أكثر وضوحاً وسهولة في التعامل، بشرط أن تصان هذه البداية بانضباط مالي ونقدي يحول دون تآكلها.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى