د. معاوية عبيد يكتب.. لمسة وفاء لفرسان الكلمة والصورة

في تاريخ الأمم لحظاتٌ لا تُكتب بالحبر، وإنما تُخطُّ بالدماء. وللأوطان رجالٌ إذا ناداهم الواجب، تقدموا غير هيابين، يعلمون أن الطريق قد ينتهي إلى الشهادة، لكنهم يمضون إليه راضين، لأن الأوطان لا يحرس عزتها إلا الذين باعوا الدنيا واشتروا الخلود ، وفي معركة الكرامة، لم يكن المقاتلون وحدهم على موعد مع الشهادة؛ فقد كان للإعلام أيضًا فرسانه، رجالٌ آمنوا أن الكلمة موقف، وأن الصورة شهادة، وأن توثيق الحقيقة لا يقل قداسة عن صناعة النصر نفسه ، و ليس كل من حمل الكاميرا كان يبحث عن صورة، وليس كل من وقف خلف العدسة كان يؤدي وظيفة فحسب ، فهناك من حمل رسالته حتى ختمها بالشهادة ، حملوا الكاميرات كما يحمل الجندي بندقيته، ووقفوا في مرمى الخطر ليكون الشعب شاهدًا على لحظةٍ ستبقى منقوشة في وجدان السودان ما بقي الزمان ، هم الزملاء الذين أحبوا الوطن وأخلصوا للمهنة، فكانت الكاميرا في أيديهم أداةً للحقيقة، وكانت رسالتهم أن يوثقوا للأجيال لحظات الفخر والانتصار ، رحلوا وهم يؤدون واجبهم، تاركين خلفهم إرثًا من المهنية والتضحية، وذكرًا طيبًا في قلوب كل من عرفهم. ،ففي الحادي والعشرين من مارس 2025، ارتقى أربعة من فرسان تلفزيون السودان شهداء وهم يؤدون واجبهم الوطني داخل القصر الجمهوري، بعد أن استهدفتهم مسيرة انتحارية أثناء توثيقهم لحظة استعادة رمز السيادة والكرامة من أيدي المليشيا المتمردة ،كانوا يسابقون الزمن لينقلوا إلى الشعب السوداني والعالم واحدة من أهم محطات تاريخ البلاد، غير مدركين أن موعدهم لم يكن مع نهاية مهمة إعلامية، بل مع منزلة الشهداء والصديقين .
نقف اليوم إجلالًا وإكبارًا للشهداءمع الزميلة المبدعة حنان مصممة الديكور بتلفزيون السودان وهي تضع لمسات وفاء لرفقاء الدرب و الكلمة و الصورة ، تضع لمسات وفاء لرفقاء زاملوها في الحيشان الثلاثة ، كانوا جميعاً صامدين يؤدون واجبهم ورسالتهم بصمت في نقل الصورة والكلمة من قناة البحر الاحمر التي اصبحت مقرا للقناة القومية التي دمرتها المليشيا المتمردة يعاونها في ذلك اعداء الوطن بالداخل و الخارج .
اولئك الفرسان اليوم ترجل منهم شهداء : المخرج البشوش فاروق أحمد محمد الزاهر ، المصور المبدع مجدي عبد الرحمن فخر الدين ،المخرج والمونتير إبراهيم مضوي، السائق وجيه جعفر محمد أونور، ابن البحر الأحمر، هؤلاء واؤلئك الذين استشهدوا في ميدان معركة الكرامة هم شهداء الكلمة و الصورة لم يكونوا مجرد موظفين في مؤسسة إعلامية، بل كانوا جنودًا في معركة الوعي، حملوا الصورة والصوت كما يحمل المقاتل سلاحه، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، واختتموا مسيرتهم بأشرف الخواتيم. إن الوفاء الحقيقي لهم لا يكون بالرثاء وحده، وإنما برعاية أسرهم، وإدخال السرور على أبنائهم، وحفظ سيرتهم في ذاكرة الوطن، فهم قدموا أرواحهم ليبقى السودان حاضرًا في الصورة، وتبقى الحقيقة شاهدة على التاريخ، قال الله تعالى: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) ، رحم الله شهداء الإعلام، وأسكنهم فسيح جناته، وجعل تضحياتهم نورًا يهدي الأجيال، وحفظ السودان وأهله من كل سوء .