شرق السودان بين التعايش ومخاطر الانزلاق في مستنقع الصراع القبلي

كسلا:احمد بامنت
وسط أجواء مشحونه سادت قاعة الناظر دقلل بحي الميرغنية بكسلا جاء المؤتمر الصحفي الذي نظمته نظارة قبائل عموم البني عامر للرد علي تداعيات زيارة وزير الداخلية الفريق شرطه حقوقي بابكر سمره مصطفي ووالي كسلا اللواء معاش الصادق محمد الازرق في اروما وللرد علي حديث ناظر قبائل الهدندوة سيد محمد الامين ترك والتي وصفها البعض بانها تندرج ضمن خطابات الكراهية والتحريض والذي قد يكون نذر لفتنة جديدة بشرق السودان ،فقد اثار الناظر ترك قضية تقسيم الحدود ومراجعة الهوية وعرضت باشارات لجملة من القضايا وهو ما دفع نظارة البني عامر اليوم للخروج في مؤتمر صحفي والرد علي كل الذي عقد اليوم كل هذا ياتي في ظل اوضاع بالغة التعقيد حيث تمر البلاد باسوء كارثة انسانية جراء الحرب المستعرة منذ الخامس عشر من ابريل 2023م وفي ظل هذه الظروف والاوضاع تتجدد تلك الدعوات التي من شانها ان تعمق الازمة السودانية لاسيما وان شرق السودان ظل ملاذا امنه للنازحين من ويلات الحرب خلال الفترة الماضية وهذا لا ينفي ان الشرق قد شهد في فترات سابقة لفتنن مماثلة فمازالت احداث الخامس عشر اكتوبر ماثلة في ذاكرة الشارع الكسلاوي وهنالك احداث دار النعيم بورتسودان بولاية البحر الاحمر كل هذه الاحداث سببا مبرر ومتوافقا لحالة الشحن الذي شهدته قاعة الناظر دقلل ومع ذلك نستطيع ان نقول المتواجدون في المنصة استطاعوا باقتدار ضبط النفس والسيطرة علي حالة التوتر التي ظهرت خلال المؤتمر مع المحافظة علي ايصال رسالتهم بصورة واضحة وقوية وبتوازن محمود بين الرد القوي والمنضبط ودون الاساءة والانزلاق لخطاب مضادة ومماثل في الكراهية والعنصرية وفكان حديث الناظر دقلل مختصرا لكنه اجمل في سياقه استعدادهم للترسيم الحدود ومراجعة الهوية وقال حدودهم معروفة ومبذولة في دار الوثائق السودانية وفي تاريخ السودان القديم والحديث منذ السلطنة السنارية معدد قيم وارث قبائل البني عامر ولن يزاود عليه كائن من كان منتقدا دعاة الفتن ومتصدري خطاب الكراهية داعيا الي الالتفات الي ما يجمع الناس خاصة في ظل هذة المرحلة من حرب الكرامة مؤكدا وقوفهم مع القوات المسلحة لدحر التمرد موجها ابناء البني عامر والحباب لعدم الالتفات الي تلك الاصوات وعدم الانجرار لرد عليهم . وحمل رئيس تجمع شباب البني عامر مختار حسين السلطات مسئولية ما سيترتب من احداث في حالة عدم التصدي لتلك الاصوات التي وصفها بخطاب الكراهية والتحريض، مطالباً بإجراءات حاسمة تجاه كل من يسهم في تأجيج التوترات بين مكونات الإقليم. ورغم حدة الانتقادات التي وجهها، إلا أن جوهر حديثه انصب على ضرورة الحفاظ على السلم الاجتماعي ورفض الانجرار إلى مواجهات تهدد استقرار المنطقة وفي الوقت نفسه مبينا حدودهم وارتباطهم مع عدد من القبائل مشددا علي محافظتهم علي السلم والامن المجتمعي دون التفريط في حقوقهم وقال انهم قادرين علي الرد في المكان والزمان الذي يرونه مناسبا.
وتكتسب هذه التصريحات خطورتها بالنظر إلى طبيعة شرق السودان وتعقيداته ومع ذلك يحفظ لاهل الشرق انهم ظلوا لعقود طويلة نموذجاً للتعايش بين مكوناته الاجتماعية المختلفة. فعلى الرغم من ما حدث في فترات سابقه من احداث دامية كانت نتاج لصراعات سياسبة تم توظيف البعض لخلق تلك الفتن وان كانوا قد نجحوا في السابق المجتمعات المحلية في بناء علاقات اجتماعية ومصالح مشتركة عابرة للانتماءات الضيقة، وهو ما جعل الإقليم يتجاوز العديد من الأزمات التي كان يمكن أن تقوده إلى صراعات مفتوحة.
غير أن ماحدث في القريب الماضي أثبتت أن غياب الدولة القوية والحاسمة في بعض المراحل اسهم في تفاقم الأزمه فقد شهدت ولاية كسلا خلال تلك الفترة أحداثاً مؤسفة خلفت خسائر بشرية ومادية، وكان من أبرز أسباب اتساعها ضعف التدخل وغياب المحاسبة الرادعة التي تمنع تطور الخلافات إلى مواجهات دامية كما أن التأخر في فرض هيبة القانون كثيراً ما أتاح المجال أمام الأصوات المتطرفة لتوسيع دائرة الاحتقان.
ومن هنا تبدو المسؤولية مضاعفة على مؤسسات الدولة في هذه المرحلة. فالحفاظ على الأمن لا يتحقق فقط عبر الإجراءات الأمنية، وإنما أيضاً عبر التصدي الصارم لخطابات الكراهية والتحريض،
ولعل اللافت في حديث رئيس تجمع شباب البني عامر والحباب تأكيده على متانة العلاقات مع مختلف مكونات شرق السودان، وفي مقدمتها الهدندوة والأمرار والجميلاب، وإشادته بمواقف عدد من القيادات الأهلية والشخصيات المجتمعية التي سارعت إلى رفض التصريحات المثيرة للجدل والدعوة للحوار والتفاهم. وهي مواقف تعكس وعياً متقدماً بخطورة المرحلة، وإدراكاً بأن مستقبل الشرق لا يمكن أن يبنى على الإقصاء أو الكراهية.
إن شرق السودان، رغم كل ما حدث ويحدث الان نقول ان الشرق لم يشهد حتى الآن انفلاتاً واسعاً يهدد نسيجه الاجتماعي بصورة يصعب تداركها، وهو أمر يعود في المقام الأول إلى حكمة مجتمعات شرق السودان وقدرتها على احتواء الأزمات. غير أن استمرار بعض الأصوات في استدعاء خطاب العنصرية والتشكيك في حقوق الآخرين قد يضع هذا الرصيد التاريخي من التعايش أمام اختبارات صعبة.
واليوم، يحتاج السودان إلى مشروع جامع يؤسس لدولة القانون والمؤسسات، دولة لا يُسأل فيها المواطن عن قبيلته أو جهته، وإنما عن عطائه وكفاءته وإسهامه في خدمة الوطن. فالقضايا الخلافية المتعلقة بالأرض أو حدود القبائل او المشاركة السياسية لاتتم بهذه الطريقة لا تتم عبر المنابر التي تبث الفرقة وتغذي الأحقاد.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً نتيجة النزاعات والانقسامات، ولم يعد أمامنا ترف إهدار المزيد من الوقت والجهد في معارك جانبية. وما يحتاجه شرق السودان اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز الثقة بين مكوناته، وتمكين الاجهزة الرسمية من القيام بدورها في حماية الجميع دون تمييز.
فالسلم الاجتماعي ليس مسؤولية طرف بعينه، بل هو مسؤولية جماعية جملة القول عندما ينتصر صوت العقل والحكمة، يبقى الشرق كما عرفه السودان أرضاً للتعايش والتسامح وسنداً لوحدة السودان واستقراره.