شهادة دولية رغم الجراح

* حين تشاهد قيادات الهلال الأحمر والصليب الأحمر من دول شرق أفريقيا والمحيط الهندي يتفاعلون مع الأنغام السودانية،في قاعة السلام بأمانة حكومة البحر الأحمر تدرك أن للحرب وجها آخر لم تستطع أن تطمسه، وجه الحياة.وتفاعلهم مع الأنغام السودانية في حفل افتتاح اجتماع الجمعية العمومية لشبكة الصليب الأحمر والهلال الأحمر بشرق أفريقيا والمحيط الهندي يوكد ان المشهد يحتاج إلى كثير وقفة حول مايشاع عن السودان ومافعلته به الحرب.
*ففي وسط ضجيج الحرب، هناك رسائل لا تكتب بالرصاص، بل تكتب بالفعل بالدبلوماسية الشعبية والفن والكلمة الطيبة . وما شهدته بورتسودان اليوم في تلك القاعة القريبة من البحر المالح لم يكن مجرد اجتماع روتيني لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر، بل كان شهادة دولية بأن السودان، رغم الجراح، لا يزال حاضرا في قلب المنظومة الإنسانية العالمية.
*حين تجتمع في مدينة سودانية وفود تمثل خمس عشرة دولة، وقيادات الاتحاد الدولي للحركة الإنسانية، فإن الرسالة تتجاوز قاعات الاجتماعات الي إنها إعلان بأن السودان ليس دولة معزولة كما يحاول البعض تصويرها، وأن مؤسساته الوطنية ما زالت قادرة على استضافة الفعاليات الدولية وإدارة الملفات الإنسانية بكفاءة.
*لكن ما ينبغي ألا يمر مرور الكرام، هو النداء الذي أطلقه الهلال الأحمر السوداني. فالأرقام التي تحدثت عن ملايين النازحين والمتضررين ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي حكايات أسر فقدت منازلها، وأطفال فقدوا مدارسهم،ونساء ترملنا ومرضى ينتظرون الدواء، وقرى تنتظر أن تصلها يد العون. لذلك فإن دعم الهلال الأحمر اليوم ليس ترفا، بل ضرورة وطنية وإنسانية.
*لقد أثبت متطوعو الهلال الأحمر السوداني، طوال سنوات الحرب، أنهم خط الدفاع الأول عن المدنيين. وصلوا إلى مناطق عجز الآخرون عن الوصول إليها، وحملوا الغذاء والدواء، وأعادوا الروابط الأسرية، ودفع بعضهم حياته ثمنا لواجبه الإنساني. هؤلاء هم الجنود الذين لا يحملون السلاح، لكنهم يخوضون معركة الحياة كل يوم.
*ومن المهم أن يتحول تعهد الحكومة بدعم مخرجات الجمعية العمومية إلى برامج وتمويل وشراكات حقيقية، لأن مرحلة ما بعد الحرب لن تبنى بالشعارات، وإنما بمؤسسات قوية، وفي مقدمتها الهلال الأحمر السوداني الذي أثبت أنه أحد أهم أعمدة الصمود الوطني.
*كما أن ترشيح نائب رئيس الجمعية محمد عمر مخير أبوزين لمنصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مكسبا شخصيا، بل فرصة لتعزيز حضور السودان داخل مؤسسات العمل الإنساني الدولية، وفتح نوافذ جديدة للدعم والتمويل وبناء الشراكات.
*حسنا.. في زمن الأزمات، تقاس قوة الدول ليس فقط بقدرتها على خوض الحروب، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان. وبورتسودان، وهي تحتضن هذا التجمع الإنساني الكبير، قدمت للعالم صورة أخرى للسودان… صورة وطن ما زال يؤمن بأن الإنسانية يمكن أن تنتصر، حتى في أصعب اللحظات.