عصام الحسين يكتب.. بشِسع نعل كُليب

حــــالة .. وطن
*لم تكن عبارة السفير الحارث إدريس، وهو يخاطب مجلس الأمن رداً على وصف دويلة الإمارات للحكومة السودانية بحكومة بورتسودان، مجرد انفعال عابر أو مفردة اختيرت في لحظة غضب، إنما جاءت محمّلة بدلالة عربية عميقة، أراد بها أن يردّ على الانتقاص من شأن الدولة السودانية بلغةٍ من صميم الذاكرة العربية وفطنة العقل السوداني.*
فـ (شِسع النعل) هو رباطه، واستحضار كُليب هنا ليس اعتباطاً، إذ يستدعي اسماً ضارباً في وجدان العرب، ارتبط بالمهابة والسطوة في واحدة من أشهر وقائع تاريخهم وحروبه الطويلة، وحين يقول الحارث: (عليكم أن تخسؤوا بشِسع نعل كُليب)، فإنه يبلغ بالرد غايته القصوى بأن من يحاول النيل من مقام السودان لا يملك، في ميزان الكرامة، رباط نعل كُليب أو ما هو أدنى منه.
*ولعل قوة العبارة ليست في قسوتها فحسب، بل في توقيتها ومقامها؛ فقد اختار السفير الحارث أن يجعل من المنبر الدولي ساحةً للدفاع عن صفة الدولة وشرعية تمثيلها، لا عن مدينةٍ أو حكومةٍ فحسب. فبورتسودان في جوهر الرد ليست موضعاً جغرافياً يُنتقص بذكره، إنما اسم مدينة احتضنت مؤسسات الدولة في ظرف استثنائي، ولا يغيّر انتقال مقر السلطة بفعل الحرب من حقيقة الدولة ولا من صفتها القانونية.*
وهكذا جاءت العبارة كالسهم: قصيرة، حادة، ذات نسبٍ عربي قديم وأثر نفسي عميق، تختصر في كلمات قليلة غضباً سيادياً واسعاً، وتقول إن الدول لا تُختزل في مُدنها، والشرعية لا تُقاس بمواقع مؤقتة، وكرامة الأوطان ليست مادةً للمساومة في الخطاب السياسي الرخيص.
*اختار الحارث أن يجيب بعبارة من التراث، لأن بعض الردود حين تضيق بها لغة الدبلوماسية، تنفتح أمامها لغة التاريخ؛ وحين يُراد الانتقاص من وطن، قد تكون أقصر العبارات أبلغها وقعاً وأمضاها في ساحات السجال والمدافعة أثرا.*
هذا قول السفير الحارث إدريس في الرد على الدويلة، أو كما قال حكيم العرب الحارث بن عُباد في مقام شِسع النعل (قرِّبا مربط النعامة مِني ليس قولي يُراد لكن فعالي)!