مابين عقبة ياس.. ومياه النيل!

*ما جرى في عقبة ياس ليس مشروع طريق عابر، ولا مجهودا أهليا محدود الأثر، بل هو لحظة فاصلة تعيد تعريف معنى الدولة نفسها هناك، في قلب الصخر والوعورة، لم ينتظر الناس قرارا وزاريا، ولا خطاب تمويل خارجي، ولا وعودا مؤجلة… بل فعلوا ما يفترض أن تفعله الدولة.
*شقوا الطريق، واختصروا الجغرافيا، وأسقطوا ذريعة العجز.
أن ينجح مواطنون بإمكانات بسيطة في اختصار 350 كيلومترا، وخفض كلفة النقل والزمن بنحو 35%، فذلك ليس رقما فنيا فحسب، بل إدانة صريحة لسنوات من التلكؤ الرسمي، وتراكم الملفات في الأدراج، وتحول “الدراسة” إلى بديل عن “التنفيذ”. هذا ليس إنجازا عاديا… هذه حجة دامغة على أن الإرادة حين تتحرك، تحرج العجز وتفضحه.
*حسنا.. عقبة ياس… ليست طريقا، بل اختبار دولة، القضية لم تعد شاحنات تختصر المسافة، بل حياة تستعاد. شرق السودان الذي يجاور البحر، يموت عطشا. مدينة بحجم بورتسودان، بكل ثقلها الاقتصادي والاستراتيجي، لا تزال تبحث عن الماء كما لو كانت قرية منسية على هامش الخريطة. هنا تحديدا، تتحول “عقبة ياس” من طريق إلى مفتاح.. من ممر ترابي إلى شريان محتمل للحياة.
*لأعوام طويلة، كان مشروع نقل مياه النيل إلى الشرق يجهض عند عتبة “التكلفة العالية” واشتراطات الشركات الأجنبية. اليوم، سقط هذا العذر. الطريق شق، والمسار أصبح واقعا، والتضاريس التي كانت تستخدم كحجة، تم ترويضها بالفعل. لم يعد السؤال، هل يمكن؟ بل أصبح.. لماذا لم تبدأوا بعد؟
*مياه النيل التي تعجز الدولة عن استغلالها داخليا، وتذهب حصص منها هدرا أو لغيرنا، أولى بها إنسان الشرق الذي يدفع ثمن “جركانة” الماء أضعاف قيمتها الحقيقية. نقل النيل إلى بورتسودان لم يعد مشروع رفاهية أو بندا تنمويا مؤجلا… بل ضرورة وجود، وأولوية أمن قومي، واستثمار مباشر في الاستقرار والإنتاج.
*الكرة الآن في ملعب الدولة… بلا أعذار..
عليها تحويل الطريق من جهد شعبي إلى بنية تحتية رسمية عبر سفلتة احترافية تضمن الاستدامة وتفتح الباب للنقل الدولي، مع إطلاق مشروع عاجل لمد أنابيب المياه بمحاذاة الطريق، مستفيدين من المسار الذي أصبح ممهدا ومختبَرا على أرض الواقع، إلى جانب تحرير الاستثمار على طول الخط، لبناء محطات وخدمات ومراكز لوجستية تحول الطريق إلى شريان اقتصادي متكامل، لا مجرد ممر عبور.
*الشعب سبق الدولة بخطوة… بل بمسافة طريق كاملة. كسر المستحيل بيديه، بينما ظلت المؤسسات تحسب الكلفة وتؤجل القرار. اليوم، لم يعد مقبولا أن تكتفي الدولة بالتصفيق أو الإشادة، فالتاريخ لا يذكر من “بارك”، بل من “أنجز”.
عقبة ياس ليست مجرد قصة نجاح شعبي… إنها مرآة قاسية تعكس حقيقة مؤلمة حين ينهض الناس، تنكشف هشاشة الدولة.
*فهل تملك الدولة شجاعة اللحاق بما صنعه المواطن؟ أم سنترك هذا الإنجاز معلقا، كما تعلق أحلام هذا البلد منذ عقود؟
بورتسودان لا تنتظر خطابا… بل تنتظر النيل.