ملتقى شركاء الرعاية.. خطوات للتحول من الإغاثة إلى الإنتاج

تقرير: البلد نيوز
وضعت الحكومة السودانية ملامح خارطة طريق خماسية لإعادة بناء الإنسان السوداني، تستهدف الانتقال من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، عبر تمكين الأسر من استعادة مصادر دخلها، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي، وإلزام الجهاز المصرفي بتمويل الفئات الفقيرة والأسر المنتجة.
وأعلن وزير الموارد البشرية والتنمية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، في ختام ملتقى شركاء الرعاية والتنمية الاجتماعية، عن حزمة من التوصيات والسياسات التي قال إنها تمثل أساسا لمرحلة جديدة من العمل الاجتماعي، تقوم على الشراكة بين الدولة والولايات والمنظمات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشركاء الدوليين.

وكان الملتقى قد عقد يومي الرابع والخامس من هذا الشهر بفندق قراند هوليداي بالخرطوم، بمشاركة رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس وعدد من الوزراء ووكلاء الوزارات وممثلي المنظمات الوطنية والدولية والمبادرات المجتمعية والشركاء في مجال الرعاية والتنمية الاجتماعية.
صالح: التحدي المقبل هو إعادة السودانيين إلى دائرة الإنتاج
وقال وزير الرعاية إن السودان يقف أمام مرحلة مختلفة مع عودة الأمن والاستقرار إلى مساحات واسعة من البلاد، وعودة مؤسسات الدولة والمواطنين تدريجيا إلى مناطقهم، الأمر الذي يستوجب الانتقال من إدارة الاحتياجات الطارئة إلى بناء منظومة متكاملة للتعافي وإعادة الإعمار.

وأكد أن التحدي لم يعد منصبا على كيفية تقديم المساعدة فقط، وإنما كيفية تمكين الإنسان السوداني من استعادة حياته وقدرته على الإنتاج، وإعادة بناء الأسرة والمجتمع، وتطوير نظام حماية اجتماعية أكثر عدالة واستدامة وقدرة على مواجهة الفقر والصدمات.
ودعا صالح إلى بناء شراكة وطنية متكاملة تجمع مؤسسات الدولة وحكومات الولايات والمنظمات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشركاء، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب توحيد الجهود وتنسيق الأدوار وتحديد الأولويات وفقاً لاحتياجات المجتمعات المتضررة.
ويرى إن الملتقى ينبغي ألا يكون مجرد مساحة لتبادل الأوراق والأفكار، بل منصة للحوار والاتفاق على رؤية مشتركة، وصولا إلى شراكة حقيقية قادرة على صناعة حلول عملية للمرحلة المقبلة.
*الحرب توسع دائرة الفقر والهشاشة
وأشار معتصم إلى أن الحرب خلفت آثارا عميقة على المجتمع السوداني، تمثلت في اتساع رقعة الفقر والهشاشة، وتضرر سبل كسب العيش والخدمات الأساسية، فضلاً عن الضغوط التي تعرض لها النسيج الاجتماعي، بينما تحملت الأسر والمجتمعات والولايات أعباء استثنائية.

وأشاد بالدور الذي قامت به مؤسسات الدولة وحكومات الولايات ورجال الأعمال ومؤسسات الحماية الاجتماعية والمنظمات الوطنية والدولية والمجتمع المدني والمبادرات المجتمعية والوطنية في مواجهة تداعيات الحرب وتخفيف معاناة المتضررين.
ووجه الوزير الشكر لكل من أسهم في حماية المواطنين وإغاثة الأسر وعلاج المرضى وإيواء النازحين، أو ساعد في إعادة المواطنين إلى وطنهم، أو وفر فرص عمل ومصادر دخل للأسر التي فقدت سبل كسب عيشها.
*30 توصية في خمسة مسارات
وفي ختام أعمال الملتقى، أعلنت الوزارة عن 30 توصية جرى تجميعها في خمسة محاور رئيسية، تمثل في مجملها خارطة طريق للحماية والرعاية والتنمية الاجتماعية خلال المرحلة المقبلة.
المحور الأول: التخطيط الاستراتيجي
ويتعلق بإعداد خطة مركزية للحماية والتنمية الاجتماعية، يجري تنزيلها على الولايات والأقاليم من خلال برامج مرنة تراعي الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.
المحور الثاني: دعم الأسر المنتجة
ويستهدف توسيع المؤسسات والبرامج الداعمة للأسر المنتجة وربطها بسقوف تمويل سنوية واضحة، بما يساعد الأسر على الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى الإنتاج وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الاقتصادي.
المحور الثالث: التمويل المصرفي
ويقضي بتوجيه بنك السودان المركزي نحو إلزام المصارف بتخصيص نسب محددة لتمويل الأسر الفقيرة والأسر المنتجة، وتحويل برامج الدعم الاجتماعي إلى أدوات تساعد على الإنتاج وتوفير مصادر دخل مستدامة.
المحور الرابع: التوسع في التأمين الصحي
ويهدف إلى توسيع مظلة التأمين الصحي أفقياً، خصوصاً للفئات الأكثر احتياجاً والمتضررين من الحرب، بما يخفف الأعباء العلاجية عن الأسر ويعزز مظلة الحماية الاجتماعية.
المحور الخامس: المأسسة والمتابعة
ويشمل تحويل التوصيات إلى برامج تنفيذية محددة المواعيد والآليات، مع وضع أدوات للمتابعة وقياس الأثر، لضمان وصول الدعم والخدمات إلى مستحقيها وتحقيق نتائج ملموسة.

*الحكومة تتعهد بتحويل التوصيات إلى برامج
فيما أكد وزير العدل د. عبدالله درف، ممثل رئاسة مجلس الوزراء، التزام الحكومة بمتابعة مخرجات الملتقى والتنسيق مع مؤسسات الدولة لتحويل التوصيات إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ، تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
وشدد على أهمية أن تنتقل مخرجات الملتقى من إطار التوصيات إلى السياسات والبرامج العملية، بما يعزز قدرة الدولة على التعامل مع الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب.
أولوية للدعم النفسي والاجتماعي
اما وكيل وزارة الموارد البشرية والتنمية والرعاية الاجتماعية د. أبوبكر كوكو أكد علي أهمية التكافل والتضامن المجتمعي في تعزيز قدرة الأسر السودانية على الصمود، داعيا إلى إعطاء أولوية خاصة لـفاقدي الرعاية الوالدية والمتضررين من الحرب.
وشدد على ضرورة الاستعانة بالمتخصصين في علم النفس والاجتماع لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب تفعيل دور الإعلام بوصفه شريكاً في تعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ الشفافية ونشر الوعي.
*اختبار التنفيذ يبدأ من هنا
ويفتح الملتقى الباب أمام مرحلة جديدة في السياسة الاجتماعية السودانية، عنوانها الأبرز الانتقال من الإغاثة إلى التعافي، ومن الدعم المؤقت إلى التمكين والإنتاج.
غير أن التحدي الأكبر أمام الحكومة لن يكون في صياغة التوصيات، وإنما في تحويلها إلى سياسات ممولة وبرامج واضحة وآليات تنفيذ ومتابعة قابلة للقياس، خصوصاً في ظل اتساع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحرب.
وبينما وضعت الحكومة خارطة الطريق، يبقى نجاحها مرتبطا بقدرتها على توحيد جهود مؤسسات الدولة والولايات والمنظمات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ووضع الإنسان السوداني في قلب عملية إعادة الإعمار، باعتباره نقطة البداية الحقيقية لأي تعاف مستدام وبناء لدولة ما بعد الحرب.