جعفر باعو يكتب.. الحديث بلسـان الإنـسانيـة

*في حياة الأمم والشعوب، تمر شخصيات دبلوماسية لا تكتفي بتمثيل بلدانها خلف المكاتب المغلقة أو في الردهات الرسمية، بل تترك بصمة غائرة في وجدان المجتمعات التي تعمل بها، وتتحول من “سفراء دول” إلى “سفراء قلوب”. هذا تماما ما تجسد في ليلة الوفاء الاستثنائية التي احتضنتها مدينة بورتسودان، حيث تداعى أهل السودان بمختلف أطيافهم لتكريم سفير خادم الحرمين الشريفين، السفير علي بن حسن جعفر، بمناسبة انتهاء مسيرته الدبلوماسية الحافلة في بلاد النيلين.
*لم يكن الاحتفال الذي أُقيم في صالة “الشمندورة” مجرد بروتوكول وداعي تقليدي أملته الأعراف الدبلوماسية، بل كان تظاهرة حب عفوية، واستفتاء حقيقيا على مكانة الرجل الذي قضى عشر سنوات كاملة في السودان، لم يكن فيها دبلوماسيا يرقب الأحداث عن بعد، بل كان شريكا في الميدان، يداوي جرحا هنا، ويمد يد العون هناك، متجاوزا القيود التقليدية نحو فضاءات العمل الإنساني والتكافل الاجتماعي الشاسعة.
*جاء هذا التكريم برعاية وشراكة بين مؤسسات طبية واقتصادية وإعلامية كبرى (مؤسسة البصر العالمية “مستشفيات مكة”، مجموعة زبيدة القابضة، شركة كنزي، ومركز عنقرة للخدمات الصحفية)، ليعكس تنوع العطاء الذي قدمه السفير السعودي.
فحين تحدث قادة العمل الإنساني عن دوره، لم يتحدثوا عن وعود سياسية، بل عن مشروعات ملموسة لمكافحة العمى ورعاية مرضى العيون، وصلت إلى الفئات الأكثر احتياجا في أصعب الظروف. وحين تحدث رجال الاقتصاد والسياسة، أشاروا إلى حنكة الرجل في إدارة الملفات المشتركة، وترسيخ جسور التعاون بين الرياض والخرطوم، لتبقى العلاقات السودانية السعودية عصية على المتغيرات، متجذرة في عمق التاريخ والمصير المشترك.
*كلمات من القلب.. حين يتحدث الوفاء
إن اللحظات الأكثر تأثيرا في تلك الأمسية كانت تلك التي تداخلت فيها الكلمات بالمشاعر، حيث اختزل السفير علي بن حسن جعفر عقدا من الزمان بعبارات ستبقى خالدة في الذاكرة السودانية حين قال.. ”عشت في السودان عشر سنوات، وعرفت شعبا كريما وصبورا لا تنكسر إرادته رغم التحديات، وسأغادر بجسدي لكن قلبي سيبقى هنا.. سأظل سفيرا للسودان في المملكة كما كنت سفيرا للمملكة في السودان”.
*هذه الكلمات المشحونة بالصدق لم تكن مجرد مجاملة عابرة، بل هي شهادة حق من دبلوماسي عركته التجارب وعايش الشعب السوداني في السراء والضراء، فأدرك معدنه الأصيل الذي لا تغيره الخطوب.
*رسالة اللقاء.. امتداد للمواقف التاريخية للمملكة، إن هذا الاحتفاء الحافل يحمل في طياته رسالة كبرى تتعدى الأشخاص، وهي أن المملكة العربية السعودية، وبتوجيهات مسؤولة من قيادتها الرشيدة، لم تتخل يوما عن السودان. وما السفير علي بن حسن جعفر إلا الامتداد الحي والوجه المشرق لهذه السياسة الحكيمة التي تضع الإنسان والأخوة العربية والإسلامية فوق كل اعتبار.
*رحل السفير بجسده عن الخرطوم وبورتسودان، تاركا وراءه إرثا عريضا من المحبة، وسيرة عطرة في البذل والدبلوماسية الإنسانية. رحل وهو يحمل في حقيبته دروع التكريم، وفي قلبه دعوات الملايين من السودانيين الذين عرفوا فيه الصديق وقت الضيق، والأخ الذي لم تبدله الأيام. إنها ليلة وفاء مستحقة لـ “سفير الإنسانية”، وتأكيد متجدد على أن ما يربط الرياض بالخرطوم هو حبل وريدي لا ينقطع.