أخبار عاجلةمقالات

محمد آدم عربي يكتب.. الإنترنت.. المعجزة التي قربت العالم

*بمناسبة اليوم العالمي للاتصالات.. كلما تأملت رحلة الإنسان مع وسائل الاتصال، أدركت حجم القفزة المذهلة التي عاشها العالم خلال عقود قليلة.
من حمام زاجل يحمل الرسائل بين المدن، إلى البريد الورقي والطوابع وصفوف الانتظار الطويلة، ثم إلى الفاكس والتلكس، حتى وجد الإنسان نفسه فجأة يحمل العالم كله في راحة يده عبر هاتف ذكي صغير.
*ثورة تتسارع بلا توقف، كل صباح يولد تطبيق جديد، وكل مساء تتمدد شبكة أخرى، حتى صار الخبر يعبر القارات في لحظة، والصوت والصورة يلتقيان بلا حدود ولا مسافات.
*لكن وسط هذا الانبهار، تبرز أسئلة عميقة لا يمكن تجاهلها.. هل يمكن أن ينقطع الإنترنت عن العالم كله؟
وهل تستطيع الحروب أن تطفئ هذه الشبكة العملاقة؟
وإذا غاب الإنترنت فجأة.. هل يمكن للبشر أن يواصلوا حياتهم؟
*الحقيقة أن الإنترنت لم يبن كخيط واحد يمكن قطعه بسهولة، بل صمم منذ البداية كشبكة لامركزية هائلة قادرة على النجاة حتى في أسوأ الظروف.
أكثر من 95% من بيانات العالم تمر عبر كابلات ألياف ضوئية تمتد في أعماق المحيطات لآلاف الكيلومترات، تتشابك كالشرايين بين القارات.
*إذا انقطع كابل في الأطلسي، تجد البيانات طريقها فورا عبر الهادئ أو عبر مسارات أخرى داخل القارات.
ومع ظهور الإنترنت الفضائي، مثل أقمار ستارلينك، أصبحت فكرة العزل الكامل للعالم شبه مستحيلة تقنيا.
*الأمر الأهم أن القوى الكبرى نفسها لا تستطيع المجازفة بإطفاء الإنترنت العالمي، لأن اقتصاداتها، وبنوكها، وأسواقها المالية، وحتى جيوشها، أصبحت مرتبطة بهذه الشبكة.
*ولهذا ظهر ما يشبه “توازن الرعب الرقمي”، حيث يخشى الجميع من انهيار المنظومة التي يعتمد عليها الجميع.
أما السيناريو الأخطر، فهو كارثة كونية كعاصفة شمسية هائلة تضرب المجال المغناطيسي للأرض، وهو احتمال نادر تراقبه مراكز الفضاء العالمية باستمرار.
لكن يمكن عزل دولة كاملة
*ما يبدو مستحيلا عالميا، يمكن أن يحدث محليا بسهولة نسبية.
فالحكومات تملك أدوات تقنية تمكنها من إيقاف الإنترنت كليا، أو إبطائه إلى حد الشلل.
*شهد العالم ذلك في مصر عام 2011 حين اختفى الإنترنت خلال ساعات، وفي السودان عندما تحول قطع الشبكة إلى سلاح أثناء الحرب، كما حدث في غزة وميانمار وغيرها من مناطق الصراع والاضطراب السياسي.
بعض الدول، مثل روسيا والصين، ذهبت أبعد من ذلك، فأنشأت ما يعرف “بالإنترنت السيادي”، وهو نظام يسمح بعزل الشبكة المحلية عن العالم الخارجي عند الحاجة.
*لكن هذه الخطوات تظل مكلفة اقتصاديا وسياسيا، لأن الحياة الحديثة أصبحت مرتبطة بالاتصال ارتباطا يكاد يكون عضويا.
هل نستطيع العيش بلا إنترنت؟
الإجابة البسيطة: نعم… لكننا سنعود إلى زمن مختلف تماما.
*لا يزال هناك مليارات البشر حول العالم يعيشون دون اتصال دائم بالشبكة، ويواصلون حياتهم بوسائل تقليدية.
غير أن المجتمعات الحديثة أصبحت تعتمد على الإنترنت كما تعتمد على الماء والكهرباء.
غيابه المفاجئ يعني اضطراب البنوك، وتعطل الطيران، وتأثر المستشفيات، وتوقف التعليم الإلكتروني والتجارة الرقمية.
ستعود البشرية للهاتف الأرضي، وللورق، وللأسواق المباشرة، وربما تكتشف من جديد قيمة العلاقات الإنسانية البسيطة التي سرقتها السرعة.
*لقد غيرت ثورة الاتصالات مفهوم الزمن والمكان، وجعلت العالم قرية صغيرة بالفعل.
قربت البعيد، وفتحت أبواب المعرفة، ومنحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على التواصل والتأثير.
لكن هذه النعمة العظيمة تحتاج إلى وعي ومسؤولية.
فالغاية من التقدم ليست أن نختصر العالم داخل شاشة صغيرة، بل أن نجعل هذا العالم أكثر رحمة وعدلا وإنسانية.
ويبقى الدرس الأهم.. أن التكنولوجيا مهما بلغت عظمتها، تظل وسيلة لصناعة الحياة، لا أداة للعزلة والخوف والهيمنة.
كل عام والعالم أكثر اتصالا بالخير والمعرفة… لا بالقطيعة والعتمة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى