أخبار عاجلةمقالات

حين تصبح القرارات أزمة

*انتهى موسم الحج، لكن الجدل لم ينته. فبدلا من أن تنشغل وزارة الشؤون الدينية بتقييم الموسم واستخلاص الدروس والبناء على النجاحات ومعالجة الإخفاقات، وجدت نفسها في قلب عاصفة من القرارات المتضاربة التي أضعفت الثقة في مؤسساتها وأثارت تساؤلات مشروعة حول كيفية إدارة هذا الملف الحيوي.
*أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة ليس نقص الموارد ولا تعقيدات الواقع، وإنما غياب الاستقرار الإداري. فالقرار الذي يصدر اليوم ثم يسحب غدا لا يهز صورة المسؤول فحسب، بل يهز ثقة العاملين في المؤسسة كلها. وما حدث خلال موسم الحج من إعفاءات متتالية وتراجعات عنها يؤكد أن هناك خللا حقيقيا في آلية صناعة القرار، وأن بعض القرارات تتخذ تحت تأثير الانفعال أو الضغوط أكثر من اعتمادها على دراسة وتقييم موضوعيين.
*لقد أثار قرار إعفاء أمين امانة الحج أحمد سر الختم ثم التراجع عنه كثيرا من علامات الاستفهام، قبل أن يتكرر المشهد بقرارات أخرى كان آخرها إعفاء الأمين العام لمجلس الحج والعمرة عمر مصطفي. وبين القرار ونقيضه تضيع هيبة المؤسسة ويتحول الرأي العام إلى متابع لحالة من الارتباك الإداري لا تليق بمؤسسة تتولى خدمة واحدة من أعظم الشعائر الإسلامية.
*لكن القضية الأعمق تتعلق بالطريقة التي تتعامل بها الدولة مع الكفاءات. فمنذ إبعاد سامي الرشيد عن الأمانة العامة لمجلس الحج والعمرة، خسر المجلس واحدا من أبرز قياداته التنفيذية وأكثرها خبرة وتأثيرا،والرجل لم يكن صاحب حضور إعلامي صاخب، ولا من الباحثين عن المناصب، بل كان من أولئك الذين يتحدث عنهم العمل أكثر مما يتحدثون عن أنفسهم.
*خلال سنوات عمله، ارتبط اسم سامي الرشيد بمحاولات جادة لإصلاح ملف الحج وإغلاق أبواب الفساد والحد من نفوذ المنتفعين الذين ظلوا يقتاتون على الثغرات الإدارية لسنوات طويلة. ولهذا لم يكن مستغربا أن يجد نفسه في مواجهة أصحاب المصالح الذين رأوا في الإصلاح تهديدا مباشرا لمكاسبهم.
*المؤسسات القوية لا تخشى الكفاءات، بل تبني عليها. والدول التي تسعى للنهوض لا تستبعد أصحاب الخبرة والنزاهة، وإنما تجعل منهم ركيزة للإصلاح. أما حين تصبح الكفاءة عبئا، والنزاهة سببا للاستهداف، فإن الخاسر الحقيقي ليس الشخص الذي يغادر المنصب، بل المؤسسة التي تفقد خبرته، والوطن الذي يحتاج إلى أمثاله.
*السودان اليوم أحوج ما يكون إلى رجال دولة يمتلكون المعرفة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز. وأحوج ما يكون إلى قرارات مدروسة تصنع الاستقرار لا الارتباك، وتعزز الثقة لا الشكوك.
*ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة..هل ستنتصر معايير الكفاءة والخبرة في إدارة مؤسسات الدولة، أم ستظل القرارات المتعجلة والمجاملات الشخصية هي الحاكم الفعلي لمسار الخدمة العامة؟

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى