محمد آدم عربي يكتب.. 30 يونيو.. سبعة وثلاثون عاما بين المشروع والمفاصلة

*تمر اليوم الذكرى السابعة والثلاثون على انقلاب الانقاذ في يونيو 1989، الحدث الذي غير وجه السودان لعقود، ولا يزال حتى اليوم أحد أكثر محطات التاريخ السوداني إثارة للجدل. وبين من يراه مشروعا نهضويا أنجز الكثير، ومن يحمله مسؤولية أزمات البلاد، تبقى الحقيقة أكبر من الشعارات، وتستحق قراءة هادئة ومنصفة.
*في هذه الذكرى، نقف بالترحم على رموز الحركة الإسلامية الذين رحلوا، وفي مقدمتهم الشيخ الدكتور حسن الترابي، رحمه الله، ورفاقه الذين أسهموا في بناء المشروع الإسلامي، كما نترحم على شهداء الجزيرة أبا، وشهداء يوليو 1976، وشهداء الحرب في جنوب السودان، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان.
ونحيي كذلك الرعيل الذي حمل مسؤولية التغيير، من القيادات المدنية والعسكرية، وعلى رأسهم الشيخ يس عمر الإمام، والشيخ إبراهيم السنوسي، والأستاذ عبدالله حسن أحمد، والأستاذ علي عثمان محمد طه، والدكتور علي الحاج، والدكتور عوض أحمد الجاز، والرئيس عمر حسن أحمد البشير، والزبير محمد صالح، وإبراهيم شمس الدين، والطيب إبراهيم محمد خير، والدكتور أحمد قاسم، وغيرهم ممن كانوا جزءا من تلك المرحلة.
*جاء انقلاب الثلاثين من يونيو، وفق بيانه الأول، حاملا جملة من الأهداف.. إنهاء حالة التنازع الحزبي التي عطلت مؤسسات الدولة، وحسم الحرب في الجنوب، وإنقاذ الاقتصاد من الانهيار، ومحاربة الفساد، وإقامة مشروع حضاري يقوم على تأصيل الهوية الإسلامية في الدولة والمجتمع.
وبعد ثلاثة عقود من الحكم، يصبح السؤال مشروعا.. ماذا تحقق من تلك الأهداف؟
*لا خلاف على أن العقد الأول من التجربة شهد نشاطا واسعا في التخطيط والتنفيذ. فقد توسعت الجامعات في الولايات، وأُنشئت مستشفيات مرجعية، وامتدت شبكة الطرق والجسور، وتعززت اللامركزية في الخدمات، ودخل السودان عصر الاتصالات الحديثة، كما شكل استخراج النفط عام 1999 نقطة تحول وفرت موارد ضخمة أسهمت في تنفيذ مشروعات تنموية وخطط استراتيجية طموحة، ولا تزال آثار بعضها قائمة حتى اليوم.
*غير أن الصورة لم تكن مكتملة. فالحرب في الجنوب لم تنته إلا باتفاق قاد لاحقا إلى انفصال الجنوب عام 2011، ثم اندلعت نزاعات جديدة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وبعد فقدان معظم عائدات النفط، دخل الاقتصاد في دوامة من التضخم وتراجع قيمة العملة وارتفاع كلفة المعيشة، لتتبدد أحلام أن يصبح السودان سلة غذاء العالم، رغم الجهود الكبيرة التي بذلت في الزراعة والري خلال فترات مختلفة.
*لكن.. إذا كان هناك حدث غير مسار المشروع أكثر من غيره، فهو المفاصلة الشهيرة بين الشيخ حسن الترابي والرئيس عمر البشير، التي بدأت بمذكرة العشرة وانتهت بانقسام الحركة الإسلامية إلى شطرين متخاصمين. يومها لم يخسر تنظيم سياسي وحدته فحسب، بل خسر مشروع كامل بوصلته، وتفرقت كوادره، وتعددت مراكزه، وبدأت مرحلة جديدة من الضعف والانقسام.
*لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهض بالشعارات وحدها، ولا تسقط بسبب الأخطاء وحدها، وإنما تتقدم حين تمتلك مؤسسات قوية، وتراجع نفسها بشجاعة، وتضع المصلحة الوطنية فوق الأشخاص والتنظيمات.
*بعد سبعة وثلاثين عاما، يبقى الثلاثون من يونيو تاريخا لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن قراءته بلون واحد. فقد حمل إنجازات لا ينكرها منصف، وأخطاء كانت كلفتها باهظة على السودان. وبين هذا وذاك، تظل المراجعة الصادقة، والاعتراف بالنجاحات والإخفاقات معا، هي الطريق الوحيد لاستخلاص الدروس وبناء مستقبل أكثر استقرارا ووحدة لهذا الوطن.