بين البنك الزراعي والحرفيين

*وصلتني الأربعاء المنصرم دعوة لحضور تدشين مشروع الطاقة الشمسية المخصص لأعضاء اتحاد غرف الصناعات الصغيرة بولاية البحر الأحمر. مشروع انتظره المستفيدون طويلا، باعتباره نافذة للخروج من أزمة انقطاع الكهرباء وتكاليف التشغيل الباهظة، وخطوة عملية نحو دعم الإنتاج بالطاقة النظيفة.
*عند وصولي إلى مكان الاحتفال، وجدت عشرات المستفيدين وقد ارتسمت على وجوههم ملامح الأمل، وكل منهم ينتظر لحظة استلام منظومته الشمسية،حضر رئيس الاتحاد الأستاذ محمد علي أبو علي وأعضاء مكتبه التنفيذي، كما حضرت الشركة المنفذة، وبدا أن كل شيء يسير وفق الترتيبات المعلنة.
*غير أن المشهد اكتمل بحلقة مفقودة.
فممثل البنك الزراعي، وهو الجهة الممولة للمشروع، لم يحضر في الموعد المحدد، ومع مرور الوقت بدأ القلق يتسلل إلى المستفيدين. وتعددت محاولات التواصل معه لإكمال إجراءات التسليم، لكنها لم تثمر عن شيء، لينتهي الأمر بإلغاء التدشين قبل أن يبدأ، ويتحول يوم كان يفترض أن يكون عنوانا للإنجاز إلى مساحة واسعة للأسئلة.
*حين سألت رئيس اتحاد الصناعات الصغيرة عن أسباب التعثر، أوضح أن البنك اشترط استكمال إجراءات التأمين عبر شركة بعينها قبل تسليم المنظومات، مع تحمل كل مستفيد تكاليف إضافية. وفي المقابل، يرى الاتحاد أن التأمين ضرورة لا خلاف عليها، لكنه كان يفضل منح المستفيدين حرية اختيار شركة التأمين أو استكمال تلك الإجراءات بطريقة لا تعطل المشروع ولا تزيد الأعباء على أصحاب الصناعات الصغيرة.
*دهشة ومن معي.. إذا كانت هناك اشتراطات لم تحسم، فلماذا حدد موعد التدشين أصلا؟ ولماذا دعي المستفيدون ووسائل الإعلام إلى احتفال لم تكتمل مقومات نجاحه؟ أليست مثل هذه المسائل الإجرائية أولى بالحسم داخل غرف الاجتماعات قبل الانتقال إلى منصة الاحتفال؟
*هذه الأسئلة لا تستهدف تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، بقدر ما تعكس قضية أكبر تتعلق بثقة المنتجين في برامج التمويل. فالمبادرات الاقتصادية لا تقاس بخطابات التدشين، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المستفيد وتحقيق الأثر الذي أنشئت من أجله.
* أن فلسفة تمويل المشروعات الصغيرة تقوم على تبسيط الإجراءات وتخفيف الأعباء، لا على إضافة التكاليف. وإذا كانت قيمة بعض المنظومات تتجاوز ثلاثين مليون جنيه، إلى جانب أرباح التمويل والرسوم المصرفية، فإن أي تكلفة إضافية قد تصبح عائقا حقيقيا أمام المستفيدين.
*حسنا.. نجاح هذه المبادرة ليس شأنا يخص اتحاد الصناعات الصغيرة أو البنك الزراعي وحدهما، بل هو اختبار لمدى قدرة المؤسسات المالية على مواكبة توجه الدولة نحو دعم الإنتاج وتحريك الاقتصاد التمويل في جوهره يجب أن يكون جسرا يعبر به المنتج إلى التنمية، لا حاجزا يؤخر وصوله إليها.
*ويبقى من حق الرأي العام أن يستمع إلى رواية البنك الزراعي كاملة، وأن يوضح أسباب تعثر المشروع، وطبيعة اشتراطات التأمين، والأسس التي بنيت عليها تلك الإجراءات،فاكتمال الصورة هو الطريق الوحيد للحكم العادل.
*الشفافية لا تنتصر لطرف على حساب آخر، وإنما تنتصر للمصلحة العامة، وتحفظ ثقة المنتجين في مؤسسات يفترض أن تكون شريكا في التنمية، لا سببا في تعثرها.