رجال لا تصنعهم المناصب

*في زمن أصبحت فيه الألقاب تتقدم على الأفعال، وتزدحم المنصات بصناع الصورة، يظل التاريخ أكثر إنصافا من الجميع، فهو لا يحفظ أسماء الذين تحدثوا كثيرا، وإنما يخلد الذين صنعوا أثرا في حياة الناس.
* لم يكن تكريم الهلال الأحمر السوداني للدكتور عباس جوليت والشيخ عبد المنعم موسى أبو ضريرة مجرد فقرة بروتوكولية في ختام جمعية عمومية، بل كان إعلانا صريحا بأن الإنسانية لا تزال تملك القدرة على رد الجميل، وأن الوفاء ما زال قيمة حية، حتى في وطن أنهكته الحرب.
عباس جوليت ليس مجرد مسؤول دولي سابق، بل هو مدرسة في العمل الإنساني. *رجل آمن منذ وقت مبكر بأن الجمعيات الوطنية لا ينبغي أن تظل أسيرة المنح والهبات، وإنما يجب أن تتحول إلى مؤسسات منتجة تمتلك قرارها بإمكاناتها. لذلك لم يكتف بإدارة العمل الإنساني، بل أعاد تعريفه، حين قاد تجربة الصليب الأحمر الكيني لتصبح واحدة من أنجح التجارب في القارة الأفريقية، عبر استثمارات وفرت ملايين الدولارات لخدمة الإنسان، لا لخدمة المكاتب.
*وعندما وقف في بورتسودان قالها بوضوح.. أفريقيا لن تتقدم ما دامت تنتظر الآخرين. كانت كلمات رجل خبر العالم، وعرف أن الكرامة تبدأ من الاكتفاء، وأن العمل الإنساني لا يستقيم إذا ظل رهينة التمويل الخارجي.
*وفي الضفة الأخرى يقف الشيخ عبد المنعم موسى أبو ضريرة، مقدما نموذجا مختلفا، لكنه لا يقل إشراقا. فالرجل لم ينتظر منصبا عاما، ولم يبحث عن عدسات الإعلام، لكنه فتح أبوابه حين أغلقت أبواب كثيرة، واحتضن النازحين حين ضاقت بهم الأرض، وسخر ماله وإمكاناته لخدمة المتضررين، مؤمنا بأن قيمة الثروة ليست فيما تملكه، وإنما فيما تمنحه للناس.
*في أوقات المحن تتساقط الأقنعة، ولا يبقى إلا أصحاب المواقف. لذلك استحق أبو ضريرة أن يكون رمزا للمسؤولية المجتمعية، وأن يثبت أن رجال الأعمال يمكن أن يكونوا شركاء حقيقيين في بناء الأوطان، لا مجرد صناع للأرباح.
*ما فعله الهلال الأحمر السوداني في بورتسودان يتجاوز التكريم إلى ترسيخ ثقافة يحتاجها السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى، ثقافة الاحتفاء بمن يخدمون الناس، لا بمن يتصدرون المشهد. فالأمم التي لا تكرم أصحاب العطاء، تفرط في أهم رأسمال تملكه.. القدوة.
ولعل الرسالة الأعمق التي خرجت من هذا المشهد أن إعادة بناء السودان لن تكون بالإمكانات وحدها، بل بالعقول التي تبدع، والقلوب التي تعطي، والرجال الذين يعتبرون خدمة الإنسان شرفا لا منة.
لقد علمتنا الحرب أن المؤسسات قد تضعف، لكن القيم لا تنهزم. وعلمتنا الإنسانية أن الأوطان، مهما أثقلتها الجراح، تستطيع أن تنهض عندما تجد رجالاً من طراز جوليت و أبو ضريرة… رجالا لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المواقف.