في وداع هاني صلاح

*حينما تغني الرائع إبراهيم الكاشف بكلمات صادق عبدالله عبدالماجد عليهما رحمة الله.. سلو قلبي عن السودان ينبئكم عن مدى حبي لهذا الكوثر العذب ومصر شقيقة القلب غناها بكل جوارحه وعبر عن كلمت صادق الصادقة.. وذات المشهد الصادق تكرر اليوم في بورتسودان في قاعة الشمندورة حيث وداع السفير المصري بالسودان هاني صلاح ،بيد ان المشهد لم يكن مجرد حفل لتوديع سفير انتهت مهمته، بقدر ما كان لحظة تختصر شيئا من خصوصية العلاقة بين السودان ومصر.
* غادر السفير هاني صلاح مصطفى موقعه سفيرا لمصر لدى السودان، لكنه ترك خلفه انطباعا يصعب اختزاله في البروتوكول. فقد عمل في واحدة من أكثر مراحل العلاقة بين البلدين حساسية وتعقيدا، حرب شردت الملايين، ووضعت الدبلوماسية أمام امتحان حقيقي، لا تكفي فيه البيانات الرسمية ولا المجاملات.
*ولذلك كانت مبادرة مركز عنقرة للخدمات الصحفية أقرب إلى تكريم لدور الدبلوماسية المصرية في هذه المرحلة، وإلى الاحتفاء بعلاقة شعبية تتجاوز حدود الحكومات.
*ولعل كلمة والي البحر الأحمر، الفريق الركن مصطفى محمد نور، كانت الأكثر تعبيرا عن طبيعة المشهد حين قال إن مصر لم تكن «غربة» للسودانيين، وإن استمرار السفارة المصرية في بورتسودان كان بصمة إيجابية وسط الحرب.
أما السفير هاني صلاح، فاختار في لحظة الرحيل أن يتحدث عن المستقبل أكثر مما تحدث عن الماضي،وقال إن السودان أهم بلد لمصر، وإن مصر أهم بلد للسودان، وإن العلاقة بين البلدين «ليس لها مثيل على كوكب الأرض».
*حسنا.. لم تكن رسالة هاني مجرد عاطفة وداع، فقد تحدث عن إعادة الإعمار، وربط السكك الحديدية، والكهرباء، والإسكان، والجسور، وهي ملفات تقول إن العلاقة المصرية السودانية، إن أُحسن استثمارها، يمكن أن تنتقل من دفء المشاعر إلى شراكة اقتصادية وتنموية أكثر اتساعا.
اللافت في الحفل أيضا أن صلاح لم يغادر الملف السوداني فعليا،فالرجل انتقال إلى موقع مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون السودان وجنوب السودان يعني أن الرجل سيواصل عمله من موقع آخر، وربما بمساحة أوسع.
*إن قيمة الوداع تصبح أكبر فهو يغادر مكتبه، لكن لا يغادر السودان وجدانه ولا أجندته.
*ما يحسب لمركز عنقرة أنه التقط هذه اللحظة في توقيتها المناسب، ونظم وداعا لم يكن احتفالا بشخص بقدر ما كان احتفاء بعلاقة، وتقديرا لدبلوماسي اختبرته ظروف استثنائية، وترك في نهايتها رسالة واضحة وهي ان السودان ومصر لا يملكان رفاهية أن تكون علاقتهما عادية، فالبلدان أكبر من الخلافات العابرة، وأعمق من الحسابات السياسية المؤقتة، وما يجمع شعبي وادي النيل يظل، في النهاية، هو الأصل.
وفي بورتسودان، كان الوداع رسالة أخرى.. وهي ان بعض السفراء يغادرون بملفاتهم، وبعضهم يتركون وراءهم أسئلة المستقبل، وهاني صلاح غادر، حاملا معه الملف السوداني إلى القاهرة.