د. محمد بشير عبادي يكتب.. الذكاء الإصطناعي..بين إنتاج الهلوسة ورصانة البحث العلمي

تعددت إستخدامات الذكاء الإصطناعي شاملة كافة متطلبات الحياة اليومية،فهو موجود في الهواتف النقالة للبحث عن المعلومة أو إنتاج المحتوى نصيا كان أو مصورا، لتمتد إستخداماته لسائر المهن والمعاملات وأدق المهام التي تخص أمن الدول ودفاعها ولكن يظل دور الذكاء الإصطناعي هو الأخطر عندما يتعلق الأمر بالبحث العلمي والذي هو عملية إستقصاء منظمة ودقيقة تهدف إلى اكتشاف حقائق جديدة، أو حل مشكلات قائمة، أو تطوير نظريات من خلال جمع وتحليل البيانات والمعلومات بإتباع أساليب ومناهج علمية محددة،كل ذلك ليصل إلى نتائج موضوعية واقعية تعالج مشكلة معينة في كافة مناحي الحياة،سواءا أن كانت بحوث للعلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية،تتمثل الخطورة كون البحث العلمي يُعد الركيزة الأساسية لتقدم المجتمعات وتطورها وتلبية إحتياجاتها الأولية وتحقيق مستويات أعلى من الرفاهية والأمان.
أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في البحث العلمي عبر تسريع تحليل البيانات الضخمة وأتمتة المهام الروتينية،إذ يمتلك الذكاء الإصطناعي قدرات هائلة على معالجة قواعد البيانات الكبيرة واستخراج الأنماط الخفية منها، مما يختصر وقتاً طويلاً كان يستغرقه التحليل الإحصائي التقليدي،كما تساعد أدوات الذكاء الإصطناعي على مراجعة الأدبيات وتلخيص المقالات العلمية الطويلة، واقتراح أبحاث ذات صلة بإهتمامات الباحث،كما يقوم الذكاء الإصطناعي بتسريع الإكتشافات في مجالات مثل الطب الحيوي،بمحاكاته للتفاعلات الكيميائية وتطوير أدوية جديدة بشكل أسرع بكثير من الطرق التجريبية الكلاسيكية ويساعد كذلك في الكتابة والتحرير ودعم الباحثين غير الناطقين باللغة الإنجليزية في صياغة أبحاثهم وتدقيقها لغوياً لضمان لغة أكاديمية رصينة.
رغم تأثير الذكاء الإصطناعي إيجابا في عملية البحث العلمي وفوائده إلا أن هناك سلبيات ومحاذير عند إستخدامه بحثيا،حيث يمكن أن يقدم نتائج غير واقعية أو مضللة في البحث العلمي تُعرف بـ “الهلوسة” (AI Hallucination) وهي ظاهرة شائعة،حيث يقوم الذكاء الإصطناعي بتوليد معلومات تبدو مقنعة وعلمية جداً ولكنها خاطئة تماماً أو لا أساس لها من الصحة،تحدث نتائج غير واقعية لعدة أسباب منها التنبوء بدل التفكير النقدي،فالذكاء الإصطناعي لا “يفهم” المعلومات وإنما يتوقع الكلمة التالية بناءًا على الأنماط الموجودة في خوارزمياته ومن سلبياته خلق ما يعرف ب”فجوات البيانات” إذا كانت المعلومات الموثوقة حول موضوع معين نادرة، فقد يملأ النموذج الفراغات بمعلومات تبدو منطقية لغوياً ولكنها خاطئة علمياً وهناك عيب آخر وهو إختلاق المراجع،فقد يقوم الذكاء الإصطناعي بتأليف أسماء باحثين، أو أرقام دراسات، أو عناوين مقالات علمية ومجلات وهمية لإعطاء إجاباته مصداقية زائفة،بعكس ما كان يفعله الباحثون في السابق بإعتمادهم في جمع المعلومات على المسح الميداني والملاحظة العلمية والتجارب المعملية والمقابلات بالإضافة إلى الاستعانة بالمخطوطات والمراجع والمصادر في المكتبات وكان جمع المعلومات يتم يدوياً ورغم أن كل ذلك يتم ببطء إلا أن النتائج في الغالب تكون فعالة وواقعية وذات مصداقية بصورة ملموسة.
لذلك لابد من إستخدم الذكاء الإصطناعي كأداة للمساعدة في صياغة الأفكار أو تلخيص النصوص وليس كمصدر موثوق للمعلومات الأساسية،كما يجب التحقق من المصادر في قواعد البيانات الأكاديمية الموثوقة مثل (Google Scholar)أو (PubMed) للتأكد من وجودها الفعلي ويُفضل استخدام أدوات الذكاء الإصطناعي المصممة خاصة للباحثين والتي تعتمد على أوراق بحثية حقيقية، مثل (Scite_ أو Elicit).
إن الأجدى علمياً وأخلاقياً أن يكون الباحث هو القَيِّم والمُشرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وليس العكس بالإعتماد الأعمى عليها مما يهدد النزاهة الأكاديمية،فإدارته كأداة يضاعف من إنتاجية الباحث،إذ نجد الباحث المُوجِّه يتحكم في الأداة ويوجهها عبر هندسة الأوامر للحصول على أجزاء محددة كالمسودات الأولية والتلخيص والباحث الناقد لا يقبل مخرجاتها كمسلّمات، بل يستخدم عقله النقدي للتحقق من دقة المعلومات ويتحمل المسؤولية الكاملة عن صحة المراجع، لتكون نتائج البحث ومصداقيته حقيقية،فالإعتماد الكلي على الذكاء الإصطناعي ينتج عنه أبحاث متشابهة تفتقر إلى البصمة الفكرية والإبداع البشري وقد تولّد الأدوات مراجع أو اقتباسات وهمية لا وجود لها،الشىء الذي يطعن في مصداقية البحث وانتهاك الأمانة العلمية مما يوقع في فخ الانتحال العلمي بسبب تدوير الأفكار أو نقل نصوص الآخرين دون توثيق دقيق والأخطر من كل ذلك تعطيل عملية التفكير النقدي والإبداعي لدى الباحثين.
توصي سياسات النشر العلمي المرموقة، مثل إرشادات دار (Wiley) للنشر، بضرورة الإفصاح عن استخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي كأدوات مساعدة فقط وكتابة ملخصات مفهومة للبحوث شاملة تفاصيل مشكلة البحث وملخصا للنتائج الرئيسة مع إعداد نص البحث بصورة قياسية وتقديم المعلومات الداعمة بوضوح وأن تكون أصيلة،لإبقاء العقل البشري هو المحرك الأساسي للتحليل والإستنتاج.