د. محمد بشير عبادي يكتب.. السودان يحلق عالياً.. من تحت رماد الخرطوم إلى بوابة إفريقيا الجوية

بدأت قصة الطيران في السودان عام (1914م) عندما هبطت أول طائرة في الخرطوم قادمة من مصر وسلمت أول بريد جوي على مهبط عسكري بريطاني كان يعرف بمهبط شجرة غردون “Gordon’s Tree”، أو “شجرة محو بك” على الشاطئ الشرقي للنيل الأبيض (منطقة الشجرة الحالية) وقد استخدم النيل الأبيض نفسه كمهبط للطائرات المائية،بعد ذلك وتحديداً في عام (1928م)، أُسس أول مدرج بري للطائرات في منطقة “القيعة” لأغراض عسكرية، قبل أن يُنشأ المطار المدني الحالي في موقعه جنوب الخرطوم عام (1937م).
لم تجر على مطار الخرطوم توسعة تذكر إلا في عهد حكومة الإنقاذ،ففي عام (1992م) تم افتتاح صالة الوصول الحالية،قبلها كانت الصالة واحدة للمغادرة والوصول وقد ظلت على تلك الحالة لعدة عقود تمثل البوابة الرئيسة للبلاد، كما أضيفت الصالة الرئاسية وجرت تحديثات شملت كل أقسام المطار مما زاد من سعته.
من مدرجات مطار الخرطوم انطلقت قوافل الحجاج والتجار والدبلوماسيين، وشُحن الصمغ والقطن واللحوم وكافة المنتجات السودانية إلى الأسواق العالمية وفي الولايات الأخرى لم تكن المطارات مجرد مبانٍ خرسانية، بل كانت شريان الحياة الذي يربط بلاداً مترامية الأطراف يصعب ربطها بالطرق البرية وحدها،فمطار بورتسودان كان نافذة الشرق على البحر الأحمر ومطارات نيالا والفاشر والأبيض ربطت دارفور وكردفان بالعاصمة والعواصم العربية ومطاري دنقلا وكسلا خدما الحدود والتجارة.
تاريخياً امتلك السودان بنية جوية جيدة منحته موقعاً متوسطاً بين إفريقيا والشرق الأوسط، لكنها ظلت تعاني من قلة التحديث والإهمال المزمن في فترات لاحقة.
جاءت الحرب الأخيرة لتطيح بكل ذلك، إذ تحول مطار الخرطوم الدولي إلى ساحة معارك منذ (15 أبريل 2023م) واحتلته مليشيا الدعم السريع المتمردة ودمرت عدداً من الطائرات المدنية التي كانت رابضة على مدرج المطار لحظة الهجوم عليه، فخرج من الخدمة تماماً وبإغلاق مطار الخرطوم انتقل ثقل الحركة الجوية كله إلى مطار بورتسودان الدولي ليصبح فجأة البوابة الوحيدة للسودان مع العالم وهنا انكشفت العورة، فالمطار لم يُبنَ ليكون محوراً دولياً،طاقته ضعيفة وصالاته ضيقة ومزدحمة خانقة ولا توجد به جسور لصعود الركاب فيضطر المسافرون للسير تحت شمس البحر الأحمر على أرضية المدرج،الخدمات الصحية والبنكية شبه غائبة، وأنظمة المناولة بدائية ضعيفة الأداء وموقف السيارات لا يكفي،إن واجهة البلاد اليوم تعطي صورة بائسة تطرد المستثمر بدل أن تجذبه.
إن المطار في أي دولة ليس مجرد مكان لإقلاع الطائرات وهبوطها،إنما هو بطاقة تعريف الدولة وهو أول انطباع يأخذه الزائر وآخر وداع للمغترب، المطار الحديث يختصر الزمن ويسهل التجارة ويجذب شركات الطيران ويخلق آلاف الوظائف.
المواصفات العالمية ضرورة تقتضيها مطلوبات عصر العولمة الذي نعيشه: مدرجات بطول كاف للطائرات العريضة، صالات واسعة مكيفة بمسارات واضحة، نظام أمتعة آلي، جسور هوائية، أبراج مراقبة برادار حديث، صالات كبار زوار، مناطق تجارة حرة وأمن متكامل،بدون ذلك تظل الدولة معزولة مهما كانت مواردها.
وسط الخراب الماثل الآن يبرز حل استراتيجي ظل مهملاً لسنوات وهو تفعيل مطار مروي الدولي،فالمطار الذي يقع في شمال السودان يمتلك مدرجاً طويلاً يصلح لهبوط أكبر الطائرات، وموقعه الجغرافي المميز في منتصف المسافة بين وسط إفريقيا وشمالها وبين الشرق الأوسط وغرب القارة إذا تم تشغيله بالكامل يمكن أن يستقبل رحلات الترانزيت القادمة من غرب أفريقيا في طريقها إلى الخليج وأوروبا والعكس،هذا سيخفف الضغط عن بورتسودان والخرطوم ويمنح السودان دخلاً من رسوم العبور والوقود والخدمات الأرضية ويضعه على خارطة الطيران العالمي من جديد،مطار مروي يمكن أن يكون نموذجاً ناجحاً للترانزيت الإفريقي إذا توفرت الإدارة والتشغيل المهني.
أما مطار بورتسودان فلا يحتمل التأجيل فإنه يحتاج إلى تأهيل طارئ الآن وليس غداً، بتوسيع الصالات فوراً وإضافة مبانٍ مؤقتة مكيفة وتركيب جسور صعود وتحديث أنظمة الجوازات والجمارك إلكترونياً وإدخال إضاءة مدرج وأنظمة هبوط آلي للعمل ليلاً، وإنشاء ساحة شحن منفصلة لصادرات الماشية والذهب. ويمكن أن يتم ذلك عبر شراكة مع القطاع الخاص بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية حتى يصبح المطار واجهة تليق بالبلاد.
وفي مطار الخرطوم لا مجال للترقيع، فالوضع الحالي للمطار كارثي ويحتاج خطة لإعادة بنائه من الصفر. بعد أن اكتملت المرحلة الأولى بتأهيل المدرج وبرج المراقبة وصالة الحجاج لاستئناف الرحلات الداخلية والدولية التي انتظمت الآن، تأتي المرحلة الثانية وهي استكمال مشروع المطار الجديد الذي بدأ العمل فيه منذ (2006م) على بعد (40 كم) جنوب أمدرمان، على أن يكون مطاراً محورياً يربط إفريقيا بالشرق الأوسط ويخدم كافة أهل السودان. إلى جانب ذلك يجب إعادة تأهيل مطارات الولايات لأنها أداة أساسية لربط أطراف البلاد.
إن الاستثمار في المطارات والطيران يعد رافداً مهماً وحيوياً للاقتصاد الوطني،فهو لا يقتصر على نقل الركاب فقط، بل يفتح آفاقاً واسعة للتجارة والسياحة والشحن السريع وخدمات العبور ويجذب الاستثمار الأجنبي المباشر،كل دولار يُنفق في تطوير المطارات يعود بأضعافه عبر الرسوم والضرائب وفرص العمل التي يخلقها قطاع الطيران والخدمات المرتبطة به ولذلك فإن إعادة بناء مطاراتنا يجب أن يكون أولوية قصوى،فهو استثمار استراتيجي في مستقبل السودان الاقتصادي.
كلفة إعادة بناء المطارات عالية، لكن كلفة غيابها أكبر، فدولة بلا مطارات عاملة هي دولة مغلقة على نفسها وأول طائرة تهبط في مطار سوداني جديد مؤهل ستكون رسالة للعالم أن السودان عاد بقوة،تفعيل مطار مروي كمركز ترانزيت وتأهيل مطار بورتسودان وبناء مطار الخرطوم الجديد، هو الطريق لاستعادة مكانة السودان الجوية والاستفادة لأبعد مدى من موقعه الجغرافي المتفرد، فالسماء هي الطريق الأقصر للنهوض ومنها تبدأ ريادة البلاد نحو آفاق أرحب حول العالم.