د. محمد بشير عبادي يكتب.. التمييز الإيجابي طريقنا إلى الرفاهية..السودان ليس مشروعا خيريا ولا أرضا مشاعا

يعاني السودان اختلالاً مزمناً بين وفرة موارده الطبيعية وتدهور أحوال مواطنيه وهو اختلال لا يمكن تفسيره بوصفه قدرا محتوما وإنما هو نتاج مباشر لغياب مبدأ جوهري في إدارة الدولة الحديثة، يتمثل في إقرار أولوية المواطن المطلقة عند توزيع المنافع العامة.
إن السيادة لا تكتمل بمجرد ترسيم الحدود وضبط المنافذ فحسب وإنما تتجلى في جوهرها في تحديد المستفيد من موارد الدولة وخدماتها،فالدعم الذي تقدمه الدولة للسلع الأساسية والخدمات الصحية والتعليمية والوظائف العامة والرواتب، ليس حقا إنسانيا مطلقا يُمنح لكل من وجد على جغرافية الدولة، بل هو استحقاق تعاقدي ينشأ بين الدولة ومواطنيها على أساس الانتماء والولاء والمساهمة الضريبية وعندما يتم تسريب هذه المنافع إلى غير المستحقين فإن الدولة لا تمارس انفتاحا حضاريا وإنما تمارس تفريطا مباشرا في العقد الاجتماعي الذي يقوم على التبادل بين الحقوق والواجبات.
يتجسد هذا التفريط في الواقع السوداني الراهن من خلال تقديم دعم مباشر وغير مباشر على سلع حيوية كالوقود والقمح والدواء دون وجود آليات تمييز واضحة والنتيجة هي أن هذا الدعم لا يصل إلى مستحقيه الأصليين، إذ يتسرب جزء كبير منه عبر شبكات التهريب إلى خارج الحدود ويستهلك جزء آخر بواسطة مقيمين أو متجنسين بوضع غير قانوني يحصلون على سلع مدعومة بأموال دافع الضرائب السوداني ثم يعيدون بيعها في أسواق دول الجوار التي قدموا منها فهي موطنهم الأصل وبهذه الصورة يتحول دعم المواطن إلى دعم غير مباشر لاقتصادات دول أخرى، في حين يظل صاحب الحق الأصلي يعاني من تدهور الخدمات وتراجع القدرة الشرائية وويلات الفقر حد المسغبة.
إن هذا الواقع يفرض ضرورة إعادة هيكلة جذرية لسياسات الدولة، إذ لا يمكن لأي حكومة أن تضاعف أجور موظفيها أو ترتقي بمستوى خدماتها في ظل عبء إنفاقي مفتوح بلا ضوابط، فالمساواة المطلقة في الحقوق بين المواطن والمقيم هي مساواة مضللة تقود إلى تآكل نصيب الطرف الأضعف في المعادلة وهو المواطن وعليه فإن المعالجة تبدأ باعتماد مبدأ (التمييز الإيجابي) لصالح أهل السودان من خلال إنشاء نظام رقمي موحد للهوية يربط صرف الدعوم والخدمات بالرقم الوطني، بحيث يوجه دعم السلع للأسر السودانية المسجلة، وتمنح الأولوية والأسعار التفضيلية في العلاج والتعليم الحكومي للمواطن وتقصر الوظائف العامة والرواتب المحسنة على حاملي الجنسية السودانية،أما الوافد فيكون دخوله وفق عقد عمل محدد المدة وفي قطاع محدد وبأجور غير مدعومة ودون أي استحقاق في برامج الدعم أو التملك أو الوظائف السيادية.
وتؤكد التجارب حول العالم أن الدول التي اختارت نموذج الدولة محدودة العدد عالية الإنتاجية قد حققت مستويات رفاهية غير مسبوقة، فالنرويج بعدد سكان لا يتجاوز (خمسة ملايين ونصف المليون نسمة) تستثمر عائدات النفط في صندوق أجيال يضمن تعليما وصحة مجانية ورواتب عالية للمواطنين وحدهم ودولة قطر (بثلاثة ملايين نسمة) توفر لمواطنيها أفضل نظم الرعاية في العالم وتربط الإقامة بسوق العمل مباشرة وسنغافورة (بستة ملايين نسمة) ورغم انعدام الموارد الطبيعية بنت اقتصادا إنتاجيا متقدما عبر سياسات هجرة صارمة وتركيز كامل على الكفاءة الوطنية، كما أن دول الشمال الأوروبي كالسويد والدنمارك “الدول الاسكندنافية” تربط أنظمتها الاجتماعية الشاملة بسنوات من الضرائب والمساهمة ولا تمنحها إلا للمقيم الدائم أو المواطن ويكمن القاسم المشترك بين هذه النماذج في الفصل الواضح بين حق المواطن وخدمة الوافد وربط المنافع بالهوية والمساهمة لا بالوجود الجغرافي المجرد.
ويثور هنا سؤال جوهري،ما الجدوى من السعي إلى كثافة سكانية عالية في عصر يهيمن فيه الذكاء الاصطناعي والروبوتات؟! فهذا العصر لا يتطلب أعدادا كبيرة من العمالة المستهلكة للدعم عبر الأجور والإمتيازات والخدمات وإنما يتطلب أعدادا محدودة من الخبراء المؤهلين تأهيلا عاليا والقادرين على إدارة التقنية وتطويرها وتتجه الدول المتقدمة اليوم إلى تقليص الاعتماد على العمالة الرخيصة واستبدالها بالأتمتة، فلماذا نصر نحن على تضخيم فاتورة الدعم لملايين غير منتجين؟! بينما يمكن توجيه ذات الموارد لتعليم وتأهيل عدد أقل من السودانيين ليصبحوا قوة إنتاجية قادرة على المنافسة العالمية، فمقياس التقدم المعاصر لم يعد بعدد الأفواه وإنما بجودة العنصر البشري وإنتاجيته.
كما يلزم إعادة النظر في الاستشهاد الدائم بالتجربة الأمريكية في التعدد والتنوع والانفتاح، فهي تجربة شاذة في سياقها التاريخي إذ قامت على إزاحة السكان الأصليين ثم على استجلاب المهاجرين كوقود للتصنيع واليوم وبعد أن حققت أهدافها الاقتصادية تقوم الولايات المتحدة نفسها بتشديد قوانين الهجرة وترحيل المخالفين وإغلاق الحدود سعيا لأن يعيش الأمريكي الأصيل في بحبوحة، فإذا كانت الدولة التي احتفت طويلا بشعار الباب المفتوح قد تراجعت عنه بعد استنفاد أغراضه، فمن غير المنطقي أن نبدأ نحن بهذا الشعار ونحن نفتقر إلى فائض قوتها ومواردها.
إن السودان ليس مشروعا خيريا إقليميا ولا أرضا مشاعا باسم الجوار أو القارة وإنما هو كيان سياسي ذو سيادة وحدود وموارده مملوكة لشعبه بموجب الدستور والقانون وفتح الأبواب بلا حساب لا يمثل كرما وإنما يمثل إهدارا للسيادة الوطنية.
والهدف النهائي الذي ينبغي السعي إليه هو بناء دولة محدودة العدد عالية الإنتاجية مترفة الخدمات، يعيش فيها المواطن في رفاهية مستحقة وتستطيع أن تضاعف أجور معلميها وأطبائها ومهندسيها لأنها لا تتحمل عبء تمويل عدد مفتوح من غير المنتجين وتستثمر عائدات الذهب والزراعة في بناء الإنسان السوداني بدلاً من تبديدها في دعم استهلاك عابر للحدود.
وخلاصة القول إن الإستقلال الحقيقي ونهضة السودان تبدأ من إقرار قاعدة واضحة مفادها أن (المواطن أولا) في الدعم وأولا في الخدمة وأولا في الوظيفة وأولا في الضمان الإجتماعي وما عدا ذلك فهو تنظيم مؤقت يخضع لمصلحة الدولة العليا فقط وبهذا وحده ننتقل من دائرة الاستنزاف إلى دائرة الأستقرار والبناء،حتى لا تكون بلادنا أرض بلا دولة يطمع فيها الطامعون بمثل ما شهدنا في هذه الحرب التي وقودها كان أغلبه من الوافدين الذين عاثوا في الأرض فسادا،قتلا وتشريدا ونهبا لممتلكات أهلها ولسان حالهم يقول: نحن الأولى،فأنتم لا تستحقون العيش في هذه البلاد الكنز.