أخبار عاجلةمقالات

النيل الأبيض.. من يدفع الفاتورة

*هناك أرقام لا يجوز أن تمر مرور الكرام.
وفي تقرير الأداء المالي للنصف الأول من العام 2026 بولاية النيل الأبيض، رقم من هذا النوع..محلية الجبلين أنفقت 454.6 مليون جنيه، بينما كانت مخصصاتها 235 مليونا فقط.
أي أن الصرف تجاوز الموازنة المعتمدة بأكثر من الضعف.
قد تكون هناك مبررات، وقد تكون هناك ظروف استثنائية، وقد تكون بعض المشروعات قد فرضت نفسها على الواقع. لكن في كل الأحوال، يبقى السؤال قائما: من يشرح للمواطن لماذا تجاوز الإنفاق المخصصات بهذا الحجم؟
السؤال ليس اتهاما لأحد، لكنه جوهر الرقابة على المال العام.
فالميزانية ليست رقما يوضع على الورق ثم ينسى. إنها خطة يفترض أن تحدد للحكومة ماذا ستنفق، وأين ستنفق، ولماذا ستنفق.
*وحين يتجاوز الصرف المخصصات، يصبح من حق المواطن أن يعرف الأسباب والنتائج.في كوستي، بلغ الإنفاق 610.2 مليون جنيه من مخصصات قدرها 786.3 مليونا، وذهبت مبالغ معتبرة إلى الطرق وتصريف مياه الأمطار والمباني والطاقة الشمسية.
وفي الدويم، بلغ التنفيذ 56%، مع إنفاق على المدارس والطرق والطاقة والمرافق.
هذه مشروعات ضرورية، ولا أحد يمكنه أن يجادل في حاجة المدن والقرى إليها.
*لكن السؤال الأهم ليس: كم أنفقتم؟
السؤال هو: ماذا أنجزتم بهذا الإنفاق؟
هذه هي النقطة التي كثيرا ما تضيع وسط احتفالات التدشين وأرقام الموازنات.
فالطريق لا يصبح إنجازا لأنه كلف مئات الملايين، والمدرسة لا تصبح إنجازا لأن بابها افتتح، ومبنى الحكومة لا يصبح إنجازا لأنه شيد.
الإنجاز هو أن يصل الطريق إلى المواطن، وأن يجد الطالب مدرسة صالحة، وأن تعمل الكهرباء، وأن تصل المياه، وأن يشعر الناس بأن المال العام عاد إليهم في صورة خدمة.
وهنا نصل إلى الجانب الآخر من القصة، وهو الأكثر أهمية وهو الاستثمار.
*النيل الأبيض شهدت دخول مشروعات صناعية وإنتاجية باستثمارات كبيرة، من مصنع البلاستيك في كوستي، إلى مصانع المواد الغذائية والزيوت والأعلاف، وصولا إلى مشروع الحديد والمعادن بمحلية القطينة باستثمار يبلغ 120 مليون دولار، فضلا عن مشروعات الدواجن والبيض.
هذه ليست أرقاما صغيرة.
لكن الاستثمار لا يقاس فقط بما أُعلن عنه في يوم الافتتاح.
المصنع الحقيقي هو الذي يدور، والعامل الحقيقي هو الذي يقبض راتبه، والاستثمار الحقيقي هو الذي ينتج، والتنمية الحقيقية هي التي تضيف إيرادا إلى خزينة الولاية.
أما المشروعات التي تبقى في مرحلة الإنشاء والتدشين والإعلانات، فإنها تظل وعودا اقتصادية مهما كان حجم رأس المال المكتوب في الأوراق.
*حسنا.. النيل الأبيض لا تحتاج إلى المزيد من الأرقام التي تقال في المؤتمرات بقدر حاجتها إلى أرقام يمكن قياسها على الأرض.
كم وظيفة وفرتها هذه المشروعات؟
كم طنا تنتج يوميا؟
كم تدفع من ضرائب ورسوم؟
كم تخفف من فاتورة الاستيراد؟
وكم ستضيف إلى اقتصاد الولاية خلال عام أو عامين؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون حاضرة على طاولة الحكومة والمستثمرين معا.
*والأخطر من ذلك أن الولاية، مثل بقية ولايات السودان، تعمل في ظروف اقتصادية شديدة التعقيد، تضخم، ضعف في الإيرادات، وتراجع في القدرة الشرائية.
في مثل هذه الظروف، يصبح كل جنيه حكومي مسؤولية، وكل تجاوز يحتاج إلى تفسير، وكل مشروع يحتاج إلى متابعة، وكل استثمار يحتاج إلى حماية وقياس للعائد.
*إن التقرير يتحدث عن 7.54 مليار جنيه تم تمويلها لمشروعات حكومية، رقم كبير.
لكن المواطن لا يعيش داخل جداول الأداء المالي.
المواطن يعيش داخل الطريق الذي يسلكه، والمستشفى الذي يدخله، والمدرسة التي يرسل إليها أبناءه، والمياه التي يبحث عنها، والكهرباء التي ينتظرها.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي حكومة ليس حجم الأموال التي أنفقتها، وإنما حجم المشكلات التي نجحت في حلها.
وليس المطلوب أن تتوقف الحكومة عن الإنفاق، بل أن تعرف أين تضع المال، وكيف تراقبه، وماذا تحصل في المقابل.
فحين تنفق محلية أكثر من مخصصاتها، يجب أن تكون هناك إجابة.
وحين تنفق مليارات على المشروعات، يجب أن تكون هناك نتيجة.
وحين يدخل مستثمر بمئات الملايين من الدولارات، يجب أن تكون هناك متابعة حتى يتحول رأس المال إلى إنتاج وفرص عمل وإيرادات.
النيل الأبيض لا تعاني من نقص الموارد بقدر ما تعاني من الحاجة إلى إدارة أفضل للموارد.
وهذه هي المعركة الحقيقية.
أن ننتقل من اقتصاد يعتمد على ما تضخه الحكومة إلى اقتصاد ينتج ما تحتاجه الحكومة والمواطن.
أن يتحول المال العام من مجرد إنفاق إلى قيمة.
وأن يتحول الاستثمار من خبر صحفي إلى مصنع يعمل.
وأن تتحول الموازنة من أرقام في دفاتر المالية إلى خدمات يلمسها المواطن.
في النهاية، لا تسألوا فقط: كم أنفقنا؟
اسألوا السؤال الأصعب:
ماذا حصل المواطن مقابل كل جنيه أنفقناه؟
فهناك فقط يبدأ الحساب الحقيقي.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى