يا ضابط السجن… أتزود بنظرة وأرجع أنسجن

كثير من الأغنيات تظل تمشي بين الناس تبحث عن حكاية جديدة تسكنها وعن وجع آخر يمنح كلماتها معنى لم يكن في بال شاعرها يوم كتبها ولعل أغنية ( يا ضابط السجن ) التي كتب كلماتها الإذاعي والشاعر المرهف محمد حامد آدم واحدة من تلك الأغنيات فقد ارتبطت بحسب الرواية المتداولة بتجربة الشاعر في سجن الأبيض على خلفية نشاط سياسي فخرجت الكلمات من خلف القضبان محملة بالشوق والحرمان والحنين
يقول في مطلعها:
صبرك لحظة واحدة… إذنك لحظة واحدة يا ضابط السجن
أتزود بنظرة… وأرجع أنسجن
خمسة سنين طويلة… مرت ليلة ليلة
ودمع الشوق الهميلة…
كان الشاعر يتحدث عن امرأة أسر جمالها قلبه عن نظرة يريد أن يتزود بها قبل أن يعود إلى سجنه وعن سنوات طويلة تمر ثقيلة كأنها لا تريد أن تمضي ثم يمضي في رسم صورة المحبوبة فيرى في وجهها النور وفي عينيها الحنين وفي شبابها ربيعاً لم يكتمل،
لكن الكلمات بعد كل هذه السنوات وجدت اليوم حكاية أخرى في سجن الدامر القومي لم يكن المشهد امرأة يقف خلفها عاشق ولا شاعر يسترق نظرة قبل أن يعود إلى زنزانته ، كان المشهد عن نزلاء ذلك السجن الذين عصفت بهم الحياة خلف القضبان و معظمهم من الشباب ، وكانت الدموع هذه المرة لا تبحث عن (نظرة ) إلى حسناء وإنما عن نظرة إلى الحياة و ضياع مستقبل هؤلاء الشباب خلف القضبان .
كان الشاعر يرى الشباب في وجه محبوبته :
فرحان بي شبابو… ما كامل حسنو هيبة
وده لين ني صغير… زي الزهرة دابو
وكان يصف الجمال الذي يخاف عليه من الزمن ويتحسر على لحظة قد تفوته .
لكن شباب سجن الدامر فقد كانت لهم حكاية أخرى مع الزمن دخل بعضهم السجن وهم في عمر الزهور وكان يمكن أن تكون سنواتهم تلك في ميادين العمل والإنتاج في المصانع والحقول والأسواق والجامعات وبين أسرهم وأصدقائهم لا خلف القضبان .
لكن حسنا فعل ديوان الزكاة ولاية نهر النيل حين عمل علي اطلاق سراح واحداً وأربعين نزيلاً و قد شهد إطلاق سراحهم وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الأستاذ معتصم أحمد صالح و والي ولاية نهر النيل د. محمد البدوي عبد الماجد والأمين العام لديوان الزكاة د. يحيى أحمد عبدالله القمراوي إلى جانب عدد من قيادات الولاية والأجهزة ذات الصلة .
المشهد أكبر من مجرد إطلاق سراح إنه استرداد لطاقات كان يمكن أن تضيع خلف الجدران وإعادة شباب إلى أسر تنتظرهم ومجتمع يحتاج إلى أيديهم وعقولهم وسواعدهم
ومثلما يقول الشاعر :
خمسة سنين طويلة مرت ليلة ليلة
فإن السجن لا يحسب عمر الإنسان بالأيام فقط يحسبه بالفرص التي تأخرت وبالأحلام التي توقفت، كانت الدموع التي ذرفها المسؤولون في سجن الدامر خلال مخاطبتهم للنزلاء لم تكن دموع شفقة على مخالفة قانونية ولا تجاهلاً لحق المجتمع وإنما كانت دموعاً على الإنسان حين تنكسر به الطرق ثم يجد من يمد له يده ليعود إلي الأم التي تنتظر و الأب الذي يترقب و الطفل الذي يسأل عن أبيه والزوجة التي تنظر إلى الباب كل مساء .
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها نظرت إلى السجين باعتباره إنساناً يمكن أن يبدأ من جديد
( باب التوبة مفتوح ) كما قال مدير شرطة ولاية نهر النيل : التوبة فرصة تمنح للإنسان كي يصحح خطأه وأن تساعده على العودة وأن تفتح أمامه باباً آخر غير الباب الذي أدخله إلى السجن ، فالإنسان لا ينبغي أن تختصره أسوأ لحظة في حياته ، قد يخطئ الإنسان وقد يسقط وقد يضل الطريق لكن قيمة المجتمع تظهر في قدرته على أن يأخذ بيده عندما يريد العودة .
إن صورة الواحد والأربعين نزيلا وهم يغادرون سجن الدامر تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الأرقام ، وراء كل واحد منهم حكاية ، هناك أم كانت تعد الأيام وأب كان ينتظر وزوجة ربما خبأت كثيراً من دموعها وأطفال كبروا قليلاً في غياب آبائهم وبيت فقد صوتاً كان يملأه هكذا جاءت كلمة رئيس المجلس الاعلي للرعاية الاجتماعية بالولاية .
من الجميل أن تأتي هذه المبادرة ضمن نفرة ( ينابيع العطاء ) فكما أن الزكاة لا تريد للفقير أن يظل فقيراً ينتظر العطاء فإن الإصلاح داخل السجن لا يريد للمفرج عنه أن يظل أسيراً لماضيه بعد أن يفتح له الباب ليخرج من السجن إلى العمل والإنتاج والأسرة والمجتمع والمسؤولية … هكذا جاءت كلمات الأمين العام لديوان الزكاة فقد وضع الأمر في سياقه الأوسع موضحاً أن البلاد تحتاج إلى طاقات أبنائها ولا سيما الشباب في هذه الظروف الاستثنائية.
أن الحرية ليست مجرد الخروج من باب السجن وإنما القدرة على أن يعيش بعدها حياة مختلفة
وهنا تتقاطع حكاية هؤلاء الشباب مع أغنية محمد حامد آدم بصورة مؤثرة حيث يقول:
يا ضابط السجن… صبرك لحظة واحدة
أتزود بنظرة وأرجع أنسجن
أما هؤلاء الشباب فربما تكون رسالتهم اليوم مختلفة:
يا ضابط السجن… افتح الباب
لا نريد أن نتزود بنظرة ونعود
نريد أن نخرج هذه المرة… ولا نعود
نريد أن نعود إلى أمهاتنا إلى آبائن إلى زوجاتنا وأطفالنا إلى الشوارع التي غادرناها إلى العمل الذي ينتظرنا وإلى الحياة التي توقفت خلف القضبان
ولعل أصدق ما يمكن أن يقال لهم في لحظة الخروج : لا تجعلوا هذا اليوم مجرد يوم تنتهي فيه مدة السجن اجعلوه اليوم الذي يبدأ فيه العمر من جديد
فالسجن كما قال الوالي محطة مراجعة النفس و تهيئتها للعودة إلى المجتمع والحياة بصورة إيجابية
وأعلن الوالي عن دعمه للمفرج عنهم مؤكداً مساهمته في الجهود الرامية إلى إطلاق سراح بقية النزلاء الذين تنطبق عليهم الشروط إلى جانب دعمه لإدارة السجن ومشاركته أسر المفرج عنهم فرحتهم بهذه المناسبة .
وقال وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية: إن السجون. دار رعاية للإصلاح و ينبغي أن يكون محطة لمراجعة النفس والتهيئة للخروج وأعلن تبرعه بمبلغ خمسمائة ألف جنيه لكل مفرج عنه إلى جانب دعمه لإدارة السجن .
وحين يعود أولئك الشباب إلى المجتمع سيكون السؤال الأهم : ماذا ستفعلون بالحياة التي أعيدت إليكم؟
وهنا فقط يصبح إطلاق السراح أكثر من باب فُتح…
إنه ينبوع عطاء آخر، أعاد واحداً وأربعين شاباً إلى الحياة .