أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. البيع الهادئ للوطن

 

التغيير الديموغرافي الذي يشهده السودان اليوم،لم يعد ظاهرة نتاج هجرة عابرة،إنما هو مشروع ممنهج يتشكل ببطء على مرأى من الجميع،لقد عرف السودان موجات من هجرات كبرى منذ عقود، ففي سنة (1983م) دفع الجفاف القاسي في تشاد والنيجر ومالي وعامة دول غرب أفريقيا،دفع بمئات الآلاف من رعايا تلك الدول إلى الهجرة نحو دارفور وكردفان وتسللوا لبقية ولايات السودان،خاصة ولاية الخرطوم، ثم جاءت حرب دارفور سنة (2003م) لتشهد تفريغََا لمناطق كاملة وإعادة توطين لمجموعات أخرى في أراضيها وهو ما وثقته تقارير مجلس الأمن الدولي، أما الموجة الثالثة والأخطر فهي التي أعقبت انهيار الدولة بعد (2019م)، حيث انفجرت الحدود ودخلت أعداد هائلة لا تحمل أي سمات للهوية السودانية في لغتهم ولا عاداتهم ولا حتى سحناتهم ودماءهم وبالبطبع دون أوراق ثبوتية وانتشرت بكثافة لافتة من الخرطوم والجزيرة إلى الشمالية ونهر النيل وشرق السودان.

ما يجري اليوم يتجلى في ثلاث مظاهر متلازمة لا يمكن فصلها عن بعضها،المظهر الأول يتبدى في الشراء المحموم للعقارات نقدََا وبأسعار تفوق سعر السوق بلا مساومة وبأموال تتدفق عبر شبكات للتحويلات غير الرسمية مصدرها اقتصاد الحرب وتهريب الذهب والارتزاق والغاية ليست الاستثمار،بل تثبيت موطئ قدم دائم لغرباء والثاني هو الحملة الأسفيرية المنظمة على منصات التواصل، التي تدار بحسابات وهمية وتستهدف حصرََا التشكيك في أنساب قبائل الوسط والشمال، من المجموعة الجعلية والكواهلة والنوبيين من الحلفاويين الدناقلة والمحس وغيرهم ونزع شرعيتها التاريخية الممتدة من مملكة كوش إلى سلطنة الفونج، في محاولة لاقتلاعها من جذورها والثالث هو العمل الدؤوب على تفجير التعايش الذي استمر مئات السنين بين مكونات المجتمعات السودانية الأصيلة،حيث صار الخطاب اليوم يحول هذا التنوع إلى وقود للصراع عبر تضخيم الجرائم الفردية وبث المقاطع المفبركة،بجانب إعادة إحياء مرارات قديمة تجاوزها الزمان منذ أمد بعيد وخلق معارك دون ما معترك.

هذا المشروع لا يتحرك بلا غطاء،فحركة “الأفروسنتريك” التي نشأت في أمريكا وتبنت فكرة أن الحضارات النيلية زنجية خالصة وأنكرت الوجود العربي والنوبي، وجدت في السودان هدفا مركزيََا لأنه حلقة الوصل بين أفريقيا والخارج، فالتقى خطابها مع خطاب التشكيك في الأنساب وإلى جانبها تقف حركات مسلحة عابرة للحدود تضم مقاتلين من خارج السودان ولها حواضن في دول الجوار وهي لا تقاتل من أجل مشروع سياسي وطني ولكن من أجل إعادة رسم الخارطة السكانية لتمكين ونفوذ قبائل بعينها أغلبها وافدة وحول هذه الحركات تصطف أطماع دول الجوار الفقيرة، فسبع من ثماني دول تحيط بالسودان تعاني من ضغط سكاني وجفاف وتصحر قاس وتنظر إلى أراضي السودان الشاسعة ونيله وذهبه ومشروعاته الزراعية كمجال حيوي للتمدد وتصدير فائضها السكاني بعد أن ضربتها موجة جفاف غير مسبوقة.

إن سقوط الدول لا يكون بالاحتلال العسكري وحده ومن أول وهلة ولكن بالتدرج وبطرق ناعمة في البدء،حين يستبدل شعبها ويشترى ترابها ويمزق تاريخها وما يواجهه السودان اليوم هو هذا النوع من التفكيك الهادئ، الذي يبدأ بشراء بيت، وينتهي ببيع وطن طوعََا ثم هجره قسرََا بقوة السلاح عبر إستراتيجية طويلة الأمد ولا سبيل لمواجهته إلا بضبط الوجود الأجنبي ومراجعة سجلات الأراضي ومحاربة غسيل الأموال وضبط التعاملات النقدية بأن تكون كلها داخل النظام المصرفي الوطني وتجريم خطاب الفتنة بصرامة وإحياء التاريخ الحقيقي لشعب تشكل نسيجه عبر قرون من التعايش.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى