أخبار عاجلةمقالات

السودان و الحوار

*منذ عقود، ظل السودان يبحث عن مخرج من أزماته السياسية المتراكمة، وكلما اشتدت الأزمة اتجهت الأنظار إلى الحوار باعتباره الطريق الأقل كلفة للخروج من المأزق. لكن المشكلة لم تكن في غياب الحوارات، بقدر ما كانت في قدرتها على الوصول إلى حلول مستدامة، وفي مدى استعداد القوى السياسية لتحويل ما تتفق عليه إلى واقع.
*في بدايات الإنقاذ، أُطلقت سلسلة من الحوارات في مختلف المجالات، فكان الحوار الطلابي، والحوار السياسي، وغيرها من المبادرات التي هدفت إلى تحقيق قدر من الاستقرار وفتح قنوات للتفاهم بين المكونات المختلفة. وحققت تلك الحوارات بعض النتائج، لكنها لم تستطع إنهاء جذور الأزمة السودانية.
*ومع بدايات الألفية، فتح الباب أمام تسجيل الأحزاب السياسية، فيما أطلق عليها الدكتور حسن الترابي ــ له الرحمة والمغفرة ــ «أحزاب التوالي السياسي». وأُجريت انتخابات بدت في ظاهرها ممارسة سياسية، لكنها لم تكن قادرة على إحداث التحول الحقيقي في بنية الحكم، وظلت مسألة المشاركة السياسية نفسها محكومة بموازين القوة القائمة آنذاك.
*ثم جاءت ثورة ديسمبر، فدخل السودان مرحلة جديدة بكل ما حملته من آمال وتطلعات. وجاءت الوثيقة الدستورية، ثم اتفاق جوبا للسلام، لتعيد تشكيل المشهد السياسي، وتفتح الباب أمام ترتيبات جديدة لإدارة الدولة والمرحلة الانتقالية.
لكن السودان، بدلا من أن يجد طريقه إلى الاستقرار، دخل في مرحلة أكثر تعقيدا، انتهت إلى الحرب التي يعيش آثارها اليوم.
*ولم تكن مخاوف السودانيين من الوصول إلى هذه اللحظة وليدة الحرب نفسها. فقد حذر كثيرون، خلال المليونيات التي سبقت الثورة، من أن يقود الاستقطاب الحاد والتفكك السياسي والاجتماعي إلى صراع يصعب احتواؤه. واليوم، وبعد اندلاع الحرب، أصبح ما كان يُحذر منه واقعا مريرا يدفع ثمنه المواطن والدولة والمجتمع.
*السؤال الآن ليس.. من كان على حق؟ ومن كان على خطأ؟
السؤال الحقيقي هو.. كيف نخرج من هذا النفق؟
فالسودان اليوم ليس هو السودان الذي كان قبل الحرب. البنية التحتية تعرضت لدمار واسع، والمؤسسات أصابها الضعف، والاقتصاد تكبد خسائر هائلة، والمجتمع نفسه تعرض لشرخ عميق، بينما اتسعت دائرة النزوح والفقر والمعاناة.
*وفي ظل هذا الواقع، يبرز الحوار السوداني ــ السوداني باعتباره فرصة لإعادة النظر في مستقبل الدولة، وليس مجرد محاولة أخرى لتسوية خلاف سياسي عابر، وهنا تبدأ المهمة الأصعب.
*إن لجنة تهيئة الحوار لا تواجه مهمة بروتوكولية، ولا مطلوبا منها أن تجمع مجموعة من السياسيين في قاعة واحدة ثم تعلن نجاح الحوار. المطلوب أكبر من ذلك بكثير.
المطلوب هو تهيئة البيئة التي يستطيع فيها السودانيون أن يتحاوروا دون خوف، وأن يختلفوا دون تخوين، وأن يتفقوا دون إقصاء.
*وعليها أن تفتح الباب أمام الأحزاب والقوى السياسية، والشباب والمرأة، والمجتمع المدني، والمهنيين، والمكونات الاجتماعية، وأصحاب الخبرات، وكل من لديه رؤية لمستقبل السودان.
*فالبلاد التي خرجت من حرب بهذا الحجم لا يمكن أن تدار بعقلية ما قبل الحرب، ولا يمكن أن تبنى بذات الأدوات التي قادت إلى الأزمات السابقة.
نحن بحاجة إلى حوار يجيب عن الأسئلة الكبرى.. أي دولة نريد؟وكيف تدار السلطة؟كيف تحمى الثروة الوطنية؟
كيف تبنى مؤسسات الدولة؟
كيف نضمن تداول السلطة سلميا؟
كيف يصبح الجيش مؤسسة وطنية موحدة؟
كيف نعالج جذور التهميش والنزاعات؟
وكيف نحول موارد السودان الهائلة إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون على طاولة الحوار، لا أسماء المناصب وتقسيم المواقع.
*ان السودان لا يحتاج إلى حوار هدفه اقتسام السلطة، ولا إلى مؤتمر جديد تتنافس فيه القوى السياسية على حصصها، ولا إلى ترتيبات تعيد إنتاج ذات الوجوه والممارسات التي قادت البلاد إلى أزماتها.، البلاد تحتاج إلى مشروع دولة.
دولة تكون فيها المسؤولية تكليفا لا تشريفا، والمنصب خدمة عامة لا غنيمة سياسية، والكفاءة معيارا، والنزاهة شرطا، والمواطنة أساسا.
*إن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يجعله قادرا على بناء اقتصاد قوي، وتحقيق الأمن الغذائي، وتطوير الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والتعدين والطاقة والموانئ والتجارة.
لكن كل هذه الإمكانات ستظل مجرد أرقام على الورق ما لم يسبقها استقرار سياسي، ودولة قوية بمؤسساتها، وقانون يحكم الجميع، ورؤية وطنية يتوافق عليها السودانيون.
*لقد أثبتت تجارب دول مختلفة، من رواندا إلى سنغافورة وماليزيا وغيرها، أن الأزمات مهما كانت قاسية لا تعني بالضرورة نهاية الدول، وأن بناء الدولة يبدأ عندما تتقدم المصلحة الوطنية على صراعات النخب والحسابات الضيقة.
*حسنا.. ليس المطلوب من السودان أن يقلد تجربة أخرى، فلكل دولة ظروفها وتاريخها وخصوصيتها، وإنما المطلوب أن يتعلم من التجارب الناجحة كيف تتحول الإرادة السياسية إلى مؤسسات، وكيف تتحول الموارد إلى إنتاج، وكيف يتحول المواطن من ضحية للصراع إلى شريك في صناعة المستقبل.
*إن نجاح الحوار السوداني لن يقاس بعدد القوى التي ستجلس إلى الطاولة، ولا بعدد الأوراق التي ستكتب، ولا بعدد البيانات التي ستصدر، النجاح الحقيقي هو أن يخرج السودانيون من الحوار باتفاق على قواعد جديدة لإدارة الدولة.
قواعد تمنع تكرار الحرب وتحمي وحدة السودان وتضمن التداول السلمي للسلطة.
وتحفظ حقوق الأقاليم والمكونات المختلفة وتؤسس لجيش وطني ومؤسسات دولة مهنية.
وتضع الاقتصاد والإنتاج والتنمية في قلب المشروع الوطني وتمنح الشباب والمرأة مكانهما الطبيعي في صناعة القرار.
*هنا تكمن المسؤولية التاريخية للجنة تهيئة الحوار، فهي لا تهيئ لحوار عادي، وإنما تهيئ ــ إن أحسنت أداء مهمتها ــ لمرحلة يمكن أن تكون فاصلة في تاريخ السودان، ولهذا يجب ألا يكون الحوار مجرد محطة سياسية أخرى تنتهي بتسوية مؤقتة، ثم تعود البلاد بعدها إلى نقطة الصفر.
*لقد دفع السودانيون ثمنا باهظا من الدم والدمار والنزوح والفقر وليس من حق أحد أن يجعل كل هذا الألم مجرد مقدمة لجولة جديدة من الصراع على السلطة.
*آن الأوان أن يفهم الجميع أن السودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من الجيوش، وأكبر من النخب السياسية، السودان وطن يسع الجميع.
والحوار الحقيقي ليس صفقة بين السياسيين، وإنما عقد جديد بين السودانيين ودولتهم، عقد يضع الوطن أولا، والمواطن أولا، والمستقبل أولا.
فإذا نجحنا في ذلك، فلن يكون الحوار مجرد وسيلة لإنهاء حرب، بل سيكون بداية لبناء السودان الذي ظللنا نحلم به طويلاً.
*أما إذا تحول الحوار مرة أخرى إلى صراع على السلطة والثروة، فإننا نكون قد تعلمنا شيئا واحدا فقط من تاريخنا الطويل.. أننا نعيد إنتاج الأزمة نفسها، وننتظر نتيجة مختلفة.
في الواقع.. السودان لا يحتاج إلى حوار آخر ينتهي إلى تسوية مؤقتة، السودان يحتاج إلى حوار يصنع دولة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى