أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. من غفلتنا نحتفي بريشة الديك الذي بعناه

 

تحكي الطرفة أن التجار قديمََا كانوا يشترون من بعض القبائل البدائية مجموعة من الديوك مقابل ريشات منتوفة من ذات الديك ليتخذها رجال القبيلة زينة لهم،تذكرت هذه الطرفة وأنا أطلع على خبر إعلان وزارة المعادن أن حصائل صادرات الذهب بقيمة (2.292 مليار دولار) حتى سبتمبر 2026م،بربط إنتاجي (105%) وإيرادي (131%)،هذا الإعلان يستحق التوقف طويلََا، ليس للاحتفاء به وإنما للمراجعة،فبحسب بنك السودان المركزي، صدر السودان في عام (2025م) نحو (14.7 طن) من الذهب بقيمة (1.536 مليار دولار) وكان الذهب يمثل أكثر من (58%) من إجمالي الصادرات. وفي النصف الأول من عام 2026م، شكل الذهب حوالي (1.135 مليار دولار) من أصل (1.816 مليار دولار) من الصادرات المسجلة،أما الإنتاج المسجل فقد بلغ حوالي (70 طنََا)، بينما الصادرات الرسمية لم تتجاوز (20 طناََ) في رواية، و(14.7 طن) في رواية أخرى أكثر دقة وهو ما يكشف أن الفارق بين ما ينتج وما يصدر رسميََا هو الثغرة الكبرى التي يتسرب منها النقد خارج الجهاز المصرفي.

الاحتفاء ببلوغ الربط إلى (105%) هو احتفاء بمعيار متواضع وضعته الموازنة نفسها، بينما الاحتفاء الحقيقي يجب أن يكون بكمية ما تمت السيطرة عليه من الإنتاج الكلي الذي يعتمد أكثر من (80%) منه على التعدين التقليدي.

هنا يظهر جوهر المفارقة. الذهب هو النقد الحقيقي الذي عرفت قيمته الأمم عبر آلاف السنين وكل البنوك المركزية الكبرى اليوم تحتفظ به كأصل أخير عند الأزمات. الولايات المتحدة التي تطبع الدولار تحتفظ بأكثر من (ثمانية آلاف طن ذهب) كأكبر احتياطي في العالم،أما نحن فنبيع الأصل لنشتري الظل، نبيع معدنََا لا يفنى ولا يتضخم لنحصل على أوراق تطبع بلا غطاء وتفقد قوتها الشرائية عامََا بعد عام وتخضع لقرار التجميد السياسي بضغطة زر.

المشكلة ليست في البيع ذاته ولكن في طريقة البيع،لأن السودان يصدر الذهب خامََا أو نصف مصنع ليتم تكريره في الخارج، ثم يعاد تصديره بقيمة مضافة عالية تستفيد منها أسواق أخرى لا تملك منجمََا واحدََا يذكر.دولة مثل سويسرا لا تنتج ذهبََا يذكر لكنها تكرر أكثر من (70%) من ذهب العالم في مصافيها الأربع الكبرى وبريطانيا تستضيف بورصة لندن للذهب التي تسعر المعدن للعالم كله وفرنسا التي أغلقت آخر مناجمها للذهب في البر الفرنسي منذ سنوات، تحتفظ باحتياطي يتجاوز (2400 طن) وتدير تجارة ذهب وصناعات مجوهرات بمليارات اليورو دون أن تستخرج جرامََا واحدََا من أرضها. هذه الدول فهمت أن القيمة ليست في استخراج التراب، بل في تكريره وصكه وتحويله إلى أصل مالي.

الحصائل الدولارية التي تدخل من تصدير الخام لا تتحول إلى قوة للجنيه ولا إلى احتياطي مستدام،فهي تذهب لتغطية استيراد سلع استهلاكية ووقود ومواد لا تبني قاعدة إنتاجية، فيدور الاقتصاد في حلقة مفرغة. نستخرج ذهبََا من باطن الأرض لنغطي عجزََا استهلاكيََا على سطحها، فتقل الثروة في الباطن ولا تنمو الثروة على السطح.

الحكم الرشيد الذي ننشده يعمل على منع تصدير خام الذهب،ليكون الإنتاج احتياطيََا إلزاميََا في خزائن بنك السودان المركزي كغطاء للعملة الوطنية وقاعدة ثابتة يكون فيها الذهب مقابل الأصول وليس سلع إستهلاكية، حيث يخصص نصيب مقنن من كل جرام مصدر بعد إعمال القيمة المضافة لإنشاء البنية التحتية وخدمات التعليم والصحة والإصلاح البيئي لكل ولايات السودان وخاصة لمناطق التعدين،بهذه الطريقة يتحول الذهب من مورد ناضب إلى أصول باقية ويستطيع المواطن أن يتتبع الرحلة من سجل المنجم إلى المشتري المرخص إلى التصدير إلى العائد ثم إلى المدرسة أو المستشفى الذي بني به.

الفرح الحقيقي ليس أن نعلن أننا حققنا عوائد بقيمة (2.292 مليار دولار) من أوراق خضراء،الفرح أن نعلن إحتفاظنا بمائة طن في خزائننا وأن قيمة الجنيه أصبحت مسنودة بمعدن لا يهتز وأن أبناء المناطق المنتجة أصبحوا شركاء حقيقيين في إدارة ثروتهم.

الذهب أمانة من حق الأجيال القادمة، وبيعه خامََا بأوراق تطبع في الخارج تفريط في تلك الأمانة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى