أخبار عاجلةمقالات

ابراهيم أرقى يكتب.. شباب حول السودان .. أم حول المسؤولين؟

سطر حر
أجد نفسي كثيراً مع الشباب الذين يتفاعلون مع الشارع مباشرة، أولئك الذين لا ينتظرون منصة ولا كاميرا حتى يفعلوا شيئاً، فقد شاهدت في أكثر من مقطع شباباً يحملون معاولهم، ينظفون الطرقات، ويرممون ما طالها من تكسير وهدم خلال أيام (الثورة المجيدة)، ويزرعون الأشجار ويعيدون شيئاً من الجمال إلى أماكن أنهكتها الأحداث.
هذا النوع من الشباب يبعث في النفس أملاً، لأنك ترى أمامك عملاً لا يحتاج إلى شرح طويل، فالشارع نفسه يشهد له.
وفي المقابل، لا أخفي أنني أشم أحياناً رائحة (الشو) و(الأنا) في بعض التحركات الشبابية التي كانت ولا تزال تظهر علينا كل يوم تقريباً تحت أسماء كبيرة، شباب حول فلان، شباب من أجل كذا، شباب الوطن، شباب السودان، نسيناكم وما تنسونا، وهلمجرا، أسماء مزخرفة، وصور جماعية، ولقاءات مع المسؤولين، وتصريحات تفيض بالوطنية.
وهنا يبدأ السؤال:
هل نحن أمام شباب يعملون من أجل السودان، أم أمام شباب يبحثون عن مكان تحت أضواء السياسة؟
الحرب التي دارت رحاها في طرقات الخرطوم والجزيرة، وامتدت نيرانها إلى أجزاء واسعة من السودان، كانت امتحاناً عسيراً للوطنية ولمن يدّعونها.
في ذلك الامتحان سقطت الأقنعة.
فالذين كانت تجري في عروقهم دماء هذا الوطن صمدوا وقاتلوا، ومنهم من استشهد وهو يدافع عما يؤمن به، وآخرون اختاروا جبهة مختلفة، حملوا همَّ المواطن المشرد والجائع، وأقاموا التكايا، واقتسموا الطعام مع الناس، وأسهموا ـ بعد فضل الله سبحانه وتعالى ـ في أن يجد آلاف المنكوبين لقمة تسند ظهورهم في أيام عصيبة.
هؤلاء لم يكونوا في حاجة إلى لافتات تقول إنهم وطنيون، فقد كانت أعمالهم تعلن عنهم بصدق وهم يتوارون.
لكن، في المقابل، كان هناك من اختار مصلحته الخاصة، ولاذ بالصمت طوال أيام المحنة، أمسك جيبه، وأغلق فمه، وأغمض عينيه، وكان شعاره (لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم) .
وحين هدأت المدافع في بعض المناطق، وبدأ الناس يخرجون من تحت ركام الحرب، خرج بعض أولئك من جحورهم، و(انتفخ الضب حتى خُيّل إليه أنه أصبح تمساحاً)!
والأسوأ أن بعض هؤلاء يملكون المال، والمال ـ في زماننا هذا ـ يستطيع أن يصنع لصاحبه وجاهة، ومنصة، وحشداً، وإضاءة، وكثيراً من الضجيج.
لكننا نعرف أيضاً أن (الأواني الفارغة هي الأكثر ضجيجاً)، وأن كثرة الجعجعة لا تعني بالضرورة أن هناك طحيناً.
ومن غابت بصمته عندما كان الوطن ينزف، يصعب عليه أن يقنعنا بصدق بصمته عندما تبدأ مواسم الظهور والصور والمؤتمرات.
وينطبق ذلك، على وجه الخصوص، على بعض أصحاب المال والأعمال الذين لاذوا خلال الحرب بالضفاف الآمنة، والهواء البارد، والظل الظليل، بينما كان شعبهم يواجه الجوع والنزوح والموت، ثم عاد بعضهم اليوم يحمل لافتة شباب من أجل هذا، وشباب حول ذاك، ومبادرة من أجل الوطن.
لا تكفي اللافتات، ولا تصنع الصورة الجماعية وطنية، فقد ظهرت الوطنية الحقيقية يوم كان الثمن غالياً، ويوم لم تكن هناك كاميرات ولا مقاعد أمامية ولا مسؤولون لالتقاط الصور معهم.
فالذي لم يكن مع الناس يوم المحنة، يحتاج إلى أكثر من شعار وفعل، حتى يقنعهم بأنه أصبح معهم يوم المنصة.
الوطنية ليست لافتة ترفع، ولا قميصاً يحمل صورة شخص، ولا هتافاً في قاعة مكيفة.
الوطنية مبدأ، الوطنية صدق، الوطنية عمل وتجرد ونكران وتضحيات دون مقابل.
الوطنية أن تجد هؤلاء الشباب وسط الناس، في المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، يساعدون النازحين، ويدعمون الإنتاج، وينظفون الأحياء، ويقفون مع الفقراء، ويبحثون عن حلول حقيقية لمشكلات المواطنين.
السودان جرّب من قبل مجموعات كثيرة التفّت حول الأشخاص أو حول مشروع، ثم اختفت عندما اختفى الضوء، لذلك فنحن اليوم لا نحتاج إلى (شباب حول البرهان)، ولا (شباب حول فلان)، ولا (شباب حول فرتكان) ولا أي مجموعات جعجعية أخرى.
نحن نحتاج إلى:
شباب حول السودان.
شباب لا ينتظرون دعوة إلى القصر حتى يعملوا، ولا يحتاجون إلى كاميرا حتى يخدموا، ولا يصفقون للمسؤول عندما يخطئ.
شباب يشعرون بصدق أن الوطن يمر بواحدة من أقسى مراحله، وأن الناس يعانون، والاقتصاد يترنح، وملايين السودانيين يحتاجون إلى من يقف معهم، ثم يمدون أياديهم بما يستطيعون للمساهمة في إنقاذ الوطن والوقوف مع شعبه.
كنت سأصفق كثيراً لأي مجموعة شبابية تتبنى مشروعاً حقيقياً يخدم الوطن والمواطن، تعمل عليه، وتنفق عليه مما آتاها الله، ثم بعد ذلك تقابل من تشاء، وتجلس مع من تشاء.
هذا هو المطلوب.
أما أن يمثل البعض علينا دور الأبطال الوطنيين، ويتصدروا المشهد بالصور والشعارات، ثم يختفوا عندما ينطفئ الضوء، فهذا يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل القضية وطن، أم مجرد (شو) و(مصلحة)؟
وما أسهل القول… وما أصعب الفعل.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح على كل مجموعة شبابية هو:
ماذا فعلتم للناس؟
وليس:
مع من التقطتم الصور؟
فالسودان لن يبنيه المصفقون، ولن تنقذه الشعارات، ولن تعمره المؤتمرات والصور وحدها، بل سيبنيه الشباب الذين يعملون بصمت، ويضعون الوطن فوق الأشخاص، والمصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.
وهؤلاء وحدهم يستحقون أن نقول عنهم بحق:
شباب حول السودان.
ثم نرفع لهم القبعات ونفتح لهم كل الأبواب

لك الله يا وطني

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى