أخبار عاجلةمقالات

بحر أبيض كيف تدير أزمة العجز المالي وتحافظ على الخدمات؟

 

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش الوطني ومليشيا متمردة تسببت في دمار شامل البنيات التحتية بالبلاد وشردت المواطنين من ديارهم حيث تفرقوا بين مدن النزوح داخليا واللجوء في بعض دول الجوار، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لصمود مؤسسات الدولة على المستوى الولائي.
وفي ولاية النيل الأبيض، كان أداء وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة خلال الربع الأول من 2026 مؤشراً على أن “إدارة الأزمة” قد تكون إنجازاً بحد ذاته.
البيان الرسمي لوزارة المالية والإقتصاد والقوي العاملة بالولاية يضع النقاط على الحروف فموازنة الولاية كانت تعتمد بنسبة كبيرة على التحويلات الاتحادية للأجور والتنمية،ومع تراجع إيرادات الدولة العامة بسبب الحرب، انخفضت هذه التحويلات تلقائياً. في المقابل، واصل الجنيه تراجعه، وارتفع التضخم، وتضاعف الطلب على الخدمات بفعل تدفق النازحين من الخرطوم والولايات المتأثرة.
ففي هذا السياق، كان المطلوب من وزارة المالية أن تقدم خدمات أساسية بموارد متآكلة. والنتيجة، وفقاً لأرقام الربع الأول، كانت “صموداً إدارياً” أكثر منه انتعاشاً اقتصادياً.
فالإنفاق بلغ 58.508 مليار جنيه بنسبة 38%، ووُجه أساساً للأجور، وتسيير الوحدات، ودعم الأمن، والصحة، والتعليم، والمياه، والأسر الضعيفة، أما على مستوى المحليات، فصُرف 1.516 مليار جنيه بنسبة تنفيذ 77%، بقيادة محلية ربك التي نفذت 97% من خطتها.
وهذه الأرقام التي حققتها وزارة المالية بالولاية لا تعني نمواً حقياً في ظل تضخم مرتفع، فجزء كبير من الزيادة “وهمي” نتيجة ارتفاع الأسعار الاسمية، لكنها تعكس نجاحاً نسبياً في سد منافذ التسرب وتفعيل الجهد الضريبي المحلي، خاصة مع غياب التحويلات الاتحادية الكافية.
واتخذت وزارة المالية والإقتصاد والقوي العاملة بالولاية ثلاثة مسارات لمواجهة العجز حيث لم تكتفِ بالجباية بل راهنت على ثلاثة مسارات لتوسيع القاعدة المالية تمثلت رفع معدل الجهد الضريبي في الناتج المحلي، وتفعيل التمويل الأصغر لدعم الأسر الفقيرة والوافدة، بالإضافة لاستقطاب الجهد الشعبي ومساهمات المنظمات.
وركزت حكومة الولاية في الجانب الخدمي، على ما يمس حياة المواطن مباشرة من مشروعات مياه الشرب، الصحة، التعليم، والطرق، وأنفقت 352.5 مليون جنيه لتأهيل مبانٍ غير سكنية بربك، وزودت كوستي بجهاز أشعة متطور، وأنشأت مكباً آمناً للنفايات الطبية، كما فعّلت الرقابة على محطات الوقود ومكافحة التهريب لحماية الموارد وتقليل نزيف العملة الصعبة.
ما أنجزته النيل الأبيض في الربع الأول هو “إدارة عجز” بامتياز إذ تمكنت من دفع المرتبات، وشغلت المستشفيات، وأبقت محركات التنمية المحلية تعمل،و هذا رغم أنه إنجاز في سياق حرب، لكنه لا يعالج جذور الأزمة.
بطبيعة الحال فإن الاعتماد على التحويلات الاتحادية يبقى نقطة ضعف بنيوية، وتنويع مصادر الدخل يحتاج إلى قطاع خاص منتج، لا إلى جباية أفضل فقط،كما أن غياب التمويل بغرض الاستيراد على المستوى القومي، وضعف الكهرباء، وغياب الاستقرار الأمني، كلها عوامل تحد من أي تحول حقي نحو الإنتاج.
وتؤكد تجربة النيل الأبيض في الربع الأول إن الصمود الإداري ممكن حتى في أسوأ الظروف، لكنه ليس بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي.
وثمة تحدي كبير يتمثل في قدرة الولاية على خلق بيئة تجذب الاستثمار، وتؤمن الكهرباء، وتعيد الإنتاج للقطاعين الزراعي والتجاري بدلاً عن الاعتماد علي الجباية كمورد اضافي،وحتى ذلك الحين، يبقى ما يحدث في النيل الأبيض نموذجاً لإدارة الأزمة في زمن الحرب وهو مايحسب لوزارة المالية والإقتصاد والقوي العاملة بالولاية.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى