أخبار عاجلةمقالات

حين يصبح الطبيب وطنا ​

*في زمن تكاثفت فيه العتمة على السودانيين، وتكسرت فيه المرافئ الآمنة تحت أقدام الحرب والنزوح والفقد، لم يكن الخوف الأكبر هو ضياع المدن، بل ضياع الإنسان نفسه، ذلك الإنسان الذي أنهكته المنافي، وأثقلته الذاكرة، وأرهقته الأسئلة التي لا تجد جوابا.
*هناك… وسط هذا الركام النفسي والوجداني، كنت أخوض معركتين في آن واحد، قلب خرج توا من غرفة الجراحة مثقلا بالوجع، وعينان بدأ الضوء يتسرب منهما ببطء مخيف، كأن الحياة أرادت أن تطفئ آخر نوافذي نحو العالم.
*في تلك اللحظة التي شعرت فيها أن العتمة أقرب إلي من النجاة، قادني القدر إلى رجل لم يكن طبيب عيون فحسب، بل كان حالة إنسانية نادرة اسمها.. د. عبد الوهاب السيسي.
*​في “الدقي”.. وجدت السودان الذي لم تهزمه الحرب، دخلت عيادته في ذلك الحي الراقي بالجيزة وأنا أحمل في داخلي كل تعب السودانيين، وجع النزوح، ومرارة الغربة، وخوف الإنسان من أن يفقد بصره كما فقد وطنه من قبل.
*لكنني.. ومنذ اللحظة الأولى، أدركت أنني لم أدخل عيادة عادية، فهناك رأيت السودان الحقيقي…رأيت وجوها جاءت من دارفور المثخنة بالنار، ومن الجزيرة التي أرهقتها المأساة، ومن الخرطوم التي تحولت من عاصمة للحياة إلى مدينة تبحث عن نفسها وسط الدخان.
*رأيت أطفالا يحملون الخوف في أعينهم، وشيوخا أنهكتهم المنافي، وشبابا تكسرت أحلامهم على أرصفة اللجوء… لكنهم جميعا كانوا ينتظرون شيئا واحدا.. “الضوء”.
*وكان السيسي يمنحهم ذلك الضوء، لا بالمشرط وحده، بل بالإنسانية، ​طبيب لا يعالج العيون فقط… بل يرمم الأرواح
ثمة أطباء يعالجون المرض، وثمة رجال يعالجون الإنسان كله.
*هذا الرجل يفعل الأمرين معا…
لم أر فيه الطبيب المتعالي خلف الألقاب والشهادات، بل رأيت السوداني البسيط الذي يحمل وطنه في صوته، وفي ابتسامته، وفي طريقته المتفردة.. وهو يطمئن مرضاه كأنهم أفراد أسرته.
*كان يداوي الناس بالكلمة قبل الدواء، ويمنحهم من دفء الروح ما يعادل نصف العلاج، في حضرته، تشعر أن السودان — رغم كل هذا الخراب — ما زال بخير، لأن فيه رجالا يشبهونه.
*ما يفعله د. السيسي اليوم ليس مجرد نجاح مهني لطبيب سوداني بالخارج، بل موقف أخلاقي وإنساني كبير سيظل محفورا في ذاكرة الناس، في الوقت الذي اختار فيه كثيرون النجاة بأنفسهم بعيدا عن أوجاع الوطن، اختار هو أن يكون قريبا من السودانيين، قريبا من دموعهم وخوفهم واحتياجاتهم.
*حول علمه إلى “زكاة جارية”، ومهنته إلى رسالة رحمة، وعيادته إلى مساحة يلتقي فيها السودانيون على المحبة بعد أن فرقتهم الحرب، إنه لا يعيد البصر للعيون فقط، بل يعيد الثقة للناس في معنى الإنسانية.
*خرجت من عنده وأنا أرى العالم بصورة أوضح…لا.. لأن بصري تحسن فحسب، بل لأنني رأيت بعيني نموذجا نادرا لإنسان ما تزال الرحمة تسكن قلبه رغم قسوة هذا العالم.
*أدركت يومها أن الأوطان لا تقاس بالحدود والجغرافيا فقط، بل تقاس أيضا
بأمثال هؤلاء الذين يحملون الناس في قلوبهم أينما ذهبوا.
ولذلك…حين يذكر السودانيون اسم عبد الوهاب السيسي، فلن يذكروه كطبيب عيون فقط، بل كرجلٍ أعاد للكثيرين القدرة على رؤية الضوء… في زمن كادت فيه الحياة كلها أن تنطفئ.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى