بين غيثٍ وطلٍّ وسحابٍ هَطَل.. نحتفي باليوم العالمي للفقر

تتداخل فصول العام وتتبدل ملامح الحياة وتتغير الأحوال لكن تظل معاني التكافل والتراحم ثابتة لا تتبدل وتبقى الأيام التي تُخصص للاحتفاء بقضايا الإنسان محطاتٍ نستعيد فيها واجبنا تجاه الفقراء والمحتاجين ونجدد العهد بأن تظل كرامة الإنسان في مقدمة الأولويات، وبين غيثٍ يأتي بعد طول انتظار وطلٍّ يلامس الأرض برفق وسحابٍ يحمل بشريات الخير احتفى السودان باليوم العالمي للقضاء على الفقر في لحظة فارقة تمر فيها البلاد بظروف استثنائية ويواجه فيها إنسانها تحديات الحرب والنزوح وفقدان مصادر الرزق وتتعاظم حاجته إلى يدٍ تمتد بالعون وقلبٍ يستشعر معاناته ومؤسساتٍ تنهض بمسؤولياتها تجاهه .
إن الاحتفاء بهذا اليوم هو استدعاء لقيم أصيلة وتذكير بمسؤولية المجتمع والدولة تجاه الفئات الضعيفة وفرصة لإبراز الجهود المبذولة في سبيل تخفيف المعاناة وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ونحن في السودان نؤمن بأن العطاء ليس موسماً ينتهي بانتهاء مناسبة وأن مساندة الفقراء ليست واجباً مؤجلاً إلى يوم بعينه بل هي مسؤولية يومية وواجب إنساني وديني تمليه قيمنا وتؤكده تعاليم ديننا الحنيف التي جعلت للفقير حقاً معلوماً في مال الغني وأرست دعائم التكافل بين أفراد المجتمع
وكأنما أرادت الأقدار أن يأتي الاحتفاء هذا العام محمّلاً بمعانٍ تتجاوز حدود المناسبة فبين شح الإمكانات وآثار الحرب وتراجع مصادر كسب العيش أطلّ برنامج (غيث البركات 12 ) الذي نفذه ديوان الزكاة بولاية الخرطوم ليكون بشارة خير للأسر المتعففة ورسالة أمل للمحتاجين ودليلاً على أن مؤسسات العطاء تستطيع أن تشق طريقها وسط ركام الأزمات متى ما توافرت الإرادة واستشعر القائمون على أمرها عظم المسؤولية ،لقد جاء غيث البركات ١٢ في وقتٍ أحوج ما تكون فيه الأسر إلى الغيث بعد جفافٍ طال الأرض وأرهق الإنسان وكأن لسان حال المناسبة يستدعي قول الله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) الشورى: 28 .
فكان البرنامج غيثاً من نوع آخر غيثاً لا تقاس قيمته بقطرات الماء وإنما بما يحمله من مشروعات إنتاجية تفتح أبواب الأمل أمام الأسر الفقيرة ودعمٍ لخلاوي القرآن الكريم وتوفيرٍ لقوت العام وتدخلاتٍ اجتماعية تستهدف تخفيف وطأة الحاجة وصون كرامة الإنسان. وبينما تستقبل ولاية الخرطوم تباشير فصل الشتاء كانت سحب الرحمة تمتد عبر برامج الزكاة لتلامس حياة المستحقين وتمنحهم أسباباً جديدة للصمود ومواجهة ظروف الحياة ،وقد بلغت التكلفة الكلية للبرنامج ( 12) مليار جنيه، مستهدفاً ( 22,050 ) أسرة مستفيدة وفقاً لما أعلنته أمين الزكاة بولاية الخرطوم مدينة علي التي أوضحت أن البرنامج يأتي ضمن جهود الديوان الرامية إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
إن مشهد الاحتفاء باليوم العالمي للفقر يستدعي صورة قرآنية بليغة وردت في قوله تعالي ( كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ) البقرة: 265 . إنها صورة تختصر فلسفة العطاء في أبهى معانيها فالوابل بمائه الغزير يروي الأرض ويضاعف ثمرها والطل بنداه الخفيف لا يحرمها من أسباب النماء ،وهكذا هي أموال الزكاة تتعدد مقاديرها وتتفاوت إمكانات دافعيها لكن أثرها يجتمع حين تتجه إلى موضع الحاجة وتُؤدَّى بإخلاص وتُدار بحكمةوتصل إلى مستحقيها.
وفي رحاب هذه المناسبة جاءت كلمة وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعيةمعتصم أحمد صالح لتضع برنامج غيث البركات في سياقه الوطني والاجتماعي الأوسع مؤكداً أن البرنامج يتجاوز كونه تدخلاً اجتماعياً مباشراً ليحمل رسالة واضحة عن عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم واستئناف دورها في رعاية المواطنين وأشار الوزير إلى أن ولاية الخرطوم دفعت ثمناً باهظاً جراء الحرب تمثل في النزوح وتعطل الأنشطة الاقتصادية وتضرر مصادر كسب العيش موضحاً أن التحدي الأكبر في المرحلة الراهنة يتمثل في إعادة بناء الإنسان وتوفير الاستقرار والمأوى للأسر المتضررة و أشار إلى أن تدخلات ديوان الزكاة تجاوزت (٢٢٩) مليار جنيه في جميع ولايات السودان خلال العام الجاري استفاد منها أكثر من مليوني مواطن وشدد الوزير على أن نجاح المشروعات الاجتماعية يُقاس بالأثر الذي تتركه في حياة المستفيدين وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي ومستدام في أوضاعهم المعيشية
كما أكد أن الاحتفال باليوم العالمي للفقر يأتي مكتملا بتضافر الجهود و التنسيق بين وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية وديوان الزكاة والصندوق القومي للتأمين الصحي ومفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر ومصرف الادخار والتنمية الاجتماعية وسائر الجهات ذات الصلة بما يضمن تكامل التدخلات وتوجيه الموارد إلى الأسر الأشد تضرراً وفقاً لمعايير الاستحقاق .
و أكد الأمين العام لديوان الزكاة د. يحيى أحمد عبد الله القمراوي مضي الديوان في أداء رسالته تجاه الفئات المستحقة مشيداً بالجهود التي أسهمت في إنجاح برنامج غيث البركات (12) واستحضر القمراوي قوله تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) في إشارة إلى مواصلة العمل وبذل الجهد في سبيل أداء الرسالة وتحقيق الغايات المنشودة ومن بشريات الامين العام الاسهام بنسبة 50% في تمويل النفرة القادمة.
ولعل من اللافت في حديثه إشارته إلى قصص النجاح التي احتضنتها خيمة المشروعات باعتبارها نافذة تتيح الوقوف على أثر تدخلات الزكاة في حياة المستفيدين وتكشف ما يمكن أن يصنعه العطاء كما أكد القمراوي اهتمام الديوان بلجان الزكاة القاعدية والعمل على إعادة تفعيلها وتدريبها باعتبارها الأقرب إلى المجتمعات المحلية والأقدر على تحديد احتياجاتها الفعلية ومعرفة الأسر المستحقة وتوجيه الدعم إلى مستحقيه.
أما المفوض العام لمفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر د. محمد علي سالم فقد دعا إلى مواصلة الجهود الرامية إلى توفير سبل العيش الكريم للأسر الفقيرة وتمكينها من أبسط مقومات الحياة مشيداً بدور الشركاء في منظومة الحماية الاجتماعية وفي مقدمتهم وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية وديوان الزكاة والتأمين الصحي ومصرف الادخار والتنمية الاجتماعية وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان حيث لم تعد آثار الفقر مرتبطة بنقص الدخل وحده بل امتدت لتشمل فقدان المأوى وتعطل مصادر الرزق وتراجع القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية فضلاً عن الأعباء التي خلفها النزوح والتشرد وتفكك سبل العيش،ومن ثم فإن الحماية الاجتماعية الفاعلة هي التي تنظر إلى الإنسان في مجمل احتياجاته وتعمل على ربط المساعدات العاجلة بالبرامج الإنتاجية والخدمات الأساسية حتى لا يبقى الفقير أسير الحاجة بل يجد في الدعم نقطة انطلاق نحو حياة أكثر استقراراً
وثمّن والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة الدور الذي اضطلع به ديوان الزكاة خلال فترة الحرب مشيراً إلى أنه كان من أوائل المؤسسات التي بادرت بتقديم العون والمساعدة للمواطنين عبر القوافل والبرامج المختلفة مؤكداً أن الولاية لا تزال تستقبل أعداداً من العائدين والوافدين الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود وتعزيز الشراكة مع ديوان الزكاة والمنظمات الوطنية لسد الفجوات في الخدمات الأساسية ودعا إلى الاستعداد المبكر لإعداد موازنة العام 2027م وإعادة قراءة الاحتياجات وفقاً للواقع الجديد الذي فرضته الحرب بما يضمن توجيه الموارد إلى الأولويات الفعلية
إن حديث الوالي يفتح نافذة أخرى للنظر إلى المرحلة المقبلة فعودة المواطنين إلى ديارهم لا تعني بالضرورة انتهاء معاناتهم بل قد تكون بداية لاحتياجات جديدة تتعلق بإعادة تأهيل المساكن واستعادة مصادر الدخل وتوفير الخدمات الأساسية ومساعدة الأسر على بناء حياتها من جديد وهذا ما يجعل التنسيق بين مؤسسات الدولة والجهات العاملة في مجال العمل الإنساني ضرورة تتجاوز حدود التنظيم الإداري لتصبح شرطاً أساسياً لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة.
إن مشاركة المنظمات الوطنية والأجنبية في الاحتفاء بهذه المناسبة تعكس أهمية الشراكة في مواجهة الفقر وتؤكد أن حماية الأسر المتضررة مسؤولية تتطلب تضافر الجهود وتبادل الخبرات وتوجيه الإمكانات نحو الأولويات الحقيقية ، غير أن الرهان الأكبر يظل في قدرة هذه الشراكات على الانتقال من المبادرات الموسمية إلى برامج مستمرة ومن الاستجابة للحاجة الآنية إلى معالجة أسباب الفقر ومن تقديم المساعدة إلى بناء القدرة على الإنتاج والاستقلال الاقتصادي .
إن اليوم العالمي للقضاء على الفقر بما يحمله من دلالات إنسانية واجتماعية ليس نهاية المطاف بل بداية لتجديد الالتزام تجاه ملايين المحتاجين وفرصة لمراجعة ما تحقق وتحديد ما ينبغي إنجازه وتعزيز الجهود التي تحفظ للإنسان كرامته وتمنحه أسباب الحياة الكريم