حين تصبح الخيانة سلعة

*ليست كل الحروب تعلنها المدافع، ولا كل المعارك تحسم في ميادين القتال. فهناك حرب أكثر دهاء وأبعد أثرا، تخاض بالمال السياسي، وتدار من خلف الستار، حيث تشترى المواقف، وتصنع الولاءات، وتستهدف الأوطان من داخلها قبل أن تهاجم من خارجها.
*الإفادات التي نشرها مستشار رئيس الوزراء مصلح نصار على صفحته في “فيسبوك” فتحت بابا واسعا للنقاش حول هذا الملف المعقد. ففي منشوره، اتهم دولة الإمارات باستخدام المال السياسي لاستقطاب شخصيات ورؤساء للعمل ضد السودان، مقابل مبالغ مالية ضخمة. وهي مزاعم بالغة الخطورة، مع حقيقتها كما كشفت حرب السودان.
*إن التاريخ لا يختلف على حقيقة واحدة، أن المال كان وما زال أحد أخطر أسلحة الصراع. فكم من وطن أُنهك لأن ذممه بيعت، وكم من مشروع وطني تعثر لأن الولاء تبدل حين فتحت خزائن المال.
*الأخطر من المال نفسه، هو ما يسبقه من محاولات لاختراق النفوس. تبدأ الحكاية بزرع الشك، ثم التشكيك في القيادات، ثم بث الخوف، ثم تفكيك الصفوف، حتى يتحول الحليف إلى خصم، ويصبح الوطن هو الخاسر الأكبر، إنها معركة تستهدف الثقة قبل أن تستهدف الأرض، والعقول قبل أن تستهدف الحدود.
*لكن الأوطان لا تهزم إذا بقي وعي شعوبها حيا. ولا يسقط بلد لأن خصومه يملكون المال، وإنما حين يفقد أبناؤه البوصلة، ويغيب عنهم التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد المشروع وحملات التضليل.
*السودان يواجه تحديات كبيرة، لكنه يملك من الوعي والإرادة ما يؤهله لتجاوزها. وستظل السيادة الوطنية، ووحدة الصف، واستقلال القرار، خطوطا حمراء لا ينبغي أن تمس، لأن الأوطان لا تباع في أسواق السياسة، ولا تقاس قيمتها بحجم الأموال، بل بثبات رجالها، ووعي شعبها، وإيمانهم بأن السودان أكبر من كل المؤامرات، وأقوى من كل محاولات الاختراق.