أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. الإفك الجديد..المتاجرة بالفضائح في عصر المنصات الرقمية

 

لم تكن الفضيحة سلعة جديدة في سوق الإعلام، بل هي صناعة قديمة تجددت أدواتها بتجدد الزمان،إذ ترجع جذورها الأولى إلى ما عرف تاريخياً بـ “الصحافة الصفراء” أو “صحافة البينس” في أواخر القرن التاسع عشر وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية والتي كان يباع العدد الواحد منها بثمن بخس(واحد بينس) لعامة الناس،(الدولار يساوي مائة بينس)،فالصحف المحافظة كانت غالية الثمن وقتها وتشتريها طبقة النبلاء والأثرياء.

لم يكن هدف الصحافة الصفراء نقل الخبر بقدر ما كان إثارة الغرائز لضمان أكبر توزيع وأوسع إنتشار ،لذلك اعتمدت هذه الصحافة على تضخيم الحوادث وتزيين الشائعات وتقديم الحياة الخاصة للأفراد على طبق من الإثارة، فكان المعيار الوحيد هو “ما الذي يبيع” لا “ما الذي يبني” ومنذ ذلك الحين ارتبطت الإثارة بالربح وارتبط التشهير بالانتشار، فتحول الخبر من رسالة إلى بضاعة.

وفي عصرنا الحالي تطورت هذه التجارة واتسع سوقها ليتجاوز صفحات الجرائد إلى شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الرقمية وأصبحت الفضيحة سلاحاً لا يقل فتكاً عن السلاح المادي.

لم يعد المستهدف هو المجهول، بل صار الاستهداف ممنهجاً وموجهاً نحو رموز المجتمع من العلماء الذين يحملون رسالة التنوير والنجوم الذين يصنعون الذوق العام ويشكلون الوجدان، والقدوات الذين يربون الأجيال والقادة الذين يتحملون مسؤولية القرار،الهدف لم يعد الإخبار، بل صار الإسقاط،فتارة تكون المتاجرة بالفضائح وسيلة للابتزاز السياسي والمادي وتارة أخرى تكون أداة للاغتيال المعنوي في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، فعندما يسقط الرمز في عين الناس، تسقط معه القيمة التي يحملها وينهار معه خطاب كان يمكن أن يشكل وعياً أو يقود مشروعاً وهكذا يتحول الإعلام من سلطة رابعة تراقب إلى سلطة تنفذ أجندات وتقضي على خصوم دون محاكمة.

إزاء هذا الانفلات كان لابد للقانون أن يقول كلمته،فحرية الصحافة لا تعني حرية التشهير وحق الجمهور في المعرفة لا يعني حق الجميع في اقتحام خصوصية الناس وهتك سترهم والتلاعب بأعراضهم.

تشدد أغلب التشريعات الحديثة العقوبات على مقترف جريمة القذف والتشهير واعتبرتها اعتداءًا على الشرف، فالقانون يفرق بين النقد العام الموضوعي وبين نشر تفاصيل الحياة الخاصة بقصد الإضرار، بل إن الأنظمة القضائية الرصينة، تدرك خطورة المحاكمة الإعلامية،لذلك نجد أن المحاكم الغربية تمنع تصوير المتهمين داخل قاعات المحاكم والسجون وتحجب هويتهم أحياناً حتى تثبت الإدانة بحكم بين وقاطع،لأنها تدرك أن الإدانة المسبقة في الإعلام تقتل مبدأ قرينة البراءة وتجعل من العقوبة حكماً شعبياً قبل أن يكون حكماً قضائياً،فإذا كانوا هم مع ما لديهم من صحافة تتاجر بالإثارة يضعون حدوداً، فالأولى بنا أن نضع ضوابطنا الأخلاقية والقانونية.

وقبل القانون يأتي الدين ويأتي العرف ويأتي العقل ليذكرنا بقيمة عظيمة كادت أن تندثر وهي قيمة الستر،هو ليس ضعفاً ولا تواطؤاً مع الباطل، بل هو صيانة للمجتمع من شيوع الفاحشة وتفكيك نسيجه الأخلاقي، جاء الإسلام ليغلق باب المجاهرة بالمعصية وليجعل من الستر عبادة وقد بلغ من شأن الستر أن أوردت السنة الشريفة أن الله سبحانه وتعالى حيي ستّير،فقد روى يعلى بن أمية -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سَتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ) وأعظم درس في هذا الباب حادثة الإفك التي خاض فيها الكثيرون وعلى رأسهم المنافقين حتى نزلت آيات القرآن الكريم لتبرئ، ولتؤدب ولتضع قاعدة: قال تعالى {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12]،فالأصل في أهل الفضل حسن الظن والأصل في الاتهام البينة والأصل في العقوبة أن تكون بعد ثبوت الجرم لا قبله.

لذلك فإذا اتهم شخص في قضية أخلاقية فإن الطريق السوي هو أن يحاكم بستر،إن ثبتت عليه الجريمة بالبينة الشرعية أو القانونية فليأخذ جزاءه، ولكن دون أن يتحول ملفه إلى مادة دسمة للمتاجرة،لأن الهدف من العقوبة هو الإصلاح والردع لا التلذذ بالسقوط،فإن المجتمعات التي تحترم نفسها تحاكم وتحاسب لكنها لا تفتح مزاداً للتشهير، فالتشهير يصنع مجتمعاً قاسياً فاقداً للرحمة، بينما الستر يصنع مجتمعاً متماسكاً يفرق بين الخطأ كفعل مرتكب قابل للتصحيح والإنسان ككيان له كرامته وقيمته،مما يعزز أواصر المحبة والترابط بين الجميع.

إن معركة المتاجرة بالفضائح هي في جوهرها معركة على الوعي وعلى القدوة وعلى معنى الكرامة وكل أمة تريد أن تنهض لابد أن تحرس رموزها وأن تضبط إعلامها وأن تعيد الاعتبار لقيمة الستر، فليست القوة في كشف كل شيء وإنما القوة الحقيقية في أن نعرف متى نتكلم ومتى نصمت ومتى نحاسب ومتى نستر.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى