أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. التفكير الرغائبي..القود نحو نهايات كارثية

 

تمني تغيير حقائق التاريخ لتتمكن مجموعات عرقية من السيادة على مجموعات أخرى دون إستحقاق،كسيادة الأقلية على الأغلبية والإستحواذ على أرضها وثرواتها،أو أن يسعى أحدهم للنيل من خصمه السياسي أو منافسه في تجارة وبيع بإختلاق أسباب متوهمة من خياله ليسوغ بها أحقيته وتسفيه غريمه والواقع يكون غير ذلك وعلى ذات النسق تأتي أمثلة كثيرة،فيما أصطلح عليه بالتفكير الرغائبي أو تفكير التمني (Wishful thinking)،هو تكوين الإعتقادات وإتخاذ القرارات القائمة على رغبات الفرد بتمني ما يريده عوضًا عن التفكير الذي يستند إلى الأدلة، أو العقلانية، أو الواقعية،فالتفكير الواقعي يراه بعض العلماء أنه التفكير الإيجابي الذي يقود لنتائج واقعية ذات فائدة ملموسة.

وصف الصحفي والمؤلف البريطاني”كريستوفر بوكر” التفكير الرغائبي بعبارة:«دائرة الخيال»..فهو النموذج المتكرر في حياة الأشخاص وفي السياسات وفي التاريخ ومتكرر أيضًا في القصص. عندما ينخرط البعض في عمل ما يندفعون نحوه بسبب التفكير بالتمني،دون وعي،فالأمور لأول وهلة تبدو على ما يرام لفترة من الزمن وهذا ما يمكن أن يطلق عليه «مرحلة الحلم» ولكن بسبب عدم التوافق بين هذا الإعتقاد الظاهري المتوهم والواقع، تظهر «مرحلة الإحباط» التي عندها تبدو الأمور على غير ما أريد لها،مما يتطلب بذل المزيد من الجهد لرؤية هذا الخيال على أرض الواقع ومع ضغط الحياة الواقعية تأتي «مرحلة الكابوس» وفيها يكون كل شيء على عكس ما أريد له ويصل لذروته حيث يحدث «الإنفجار عند الاصطدام بالواقع» حينما يتلاشى الخيال.

ظهر مصطلح التفكير الرغائبي أو التفكير بالتمني في أوائل القرن العشرين، وتحديداً حوالي عام (1907م) وكان من أبرز من ناقشه بشكل رسمي في أبحاث علم النفس وتغير الإتجاهات عالم النفس الإجتماعي الأمريكي “ويليام ماكجواير” في عام (1960م) والذي أدرجه في دراساته حول التناسق المعرفي..التفكير الرغائبي مصطلح خرج من رحم علم النفس الفرويدي (مدرسة سيجموند فرويد) وهو ليس منسوباً لمفكر واحد محدد بل تبلور في سياق التحليل النفسي.

إن العلاقة بين التفكير الرغائبي والإضطرابات النفسية كالإضطرابات الاكتئابية تكمن في إستخدام المصاب بالإكتئاب للتفكير الرغائبي كحيلة لا شعورية للهروب من مرارة الواقع والضغوطات ومع ذلك، فإن إصطدام هذه الرغبات بالواقع وعدم تحققها يؤدي غالباً إلى تفاقم مشاعر اليأس والإحباط وحدوث الإضطرابات.

إن من أعظم تجليات التفكير الرغائبي وتأثيراته على العقد المجتمعي تتمثل في تضخيم التوقعات والوعود السياسية،حيث تعتمد الكثير من الأنظمة والأحزاب السياسية والناشطين في خطاباتهم على التفكير الرغائبي بدلاً من التخطيط الإستراتيجي، مما يخلق فجوة بين تطلعات الشعوب والواقع الإقتصادي والخدمي،مما يؤدي للتهرب من المسؤولية المشتركة،إذ يعتقد الأفراد في ظل التفكير الرغائبي أن المشكلات ستحل من تلقاء نفسها أو بفعل “سحري”، مما يعطل المشاركة المجتمعية الفعالة في التغيير والبناء،كما يؤدي الإستقطاب وتفكك الثقة إلى شيوع التفكير الرغائبي مما يخلق انقسامات حادة،فكل فئة تتمسك برؤيتها الأحادية وتُكَيّف الأحداث لخدمة مصالحها، مما يُضعف الثقة بين أطياف المجتمع ومؤسسات الدولة،لتكون صناعة القرار تحت الضغط وهذا يؤدي لإنتقال التفكير الرغائبي من المستوى الفردي إلى مستوى النخب والقيادات محققا كوارث إستراتيجية، حيث تُتخذ القرارات بناءً على العاطفة وليس المعطيات الواقعية.

نجد أن ظاهرة التفكير الرغائبي قد تمددت بإنتشار مواقع التواصل الإجتماعي وتطبيقات الذكاء الإصطناعي التي خلقت بدورها حيوات إفتراضية صدقها الناس مما أحدث تماهيا بين الوهم والواقع في عقول الناس، ففي صناعة المحتوى يتم تغليب الأهواء والمشاعر الشخصية في كثير من الأحيان على الحقائق والبيانات الموضوعية، ليؤدي هذا الانحياز إلى تشويه الرسالة واستهداف جماهير غير واقعية وبناء استراتيجيات هشة تفشل في تحقيق أهدافها.

للتغلب على ذلك يتطلب الأمر تبني نهج قائم على الوعي وتقوية “العقد الاجتماعي” عبر عدة مسارات،أولها الشفافية والحوار العقلاني،ثم تعزيز التفكير الناقد بتشجيع النقاشات العامة المبنية على الأدلة والبيانات وتقييم السياسات وحقائق التاريخ بموضوعية لتجنب الوقوع في فخ الوهم الجماعي،فالتخطيط الإستراتيجي المبني على الحقائق يوجه آليات صنع القرار نحو التحليل العقلاني الذي يدرس البدائل والإحتمالات السلبية والإيجابية على حد سواء.

يؤكد علماء النفس والإجتماع أن تحويل (الأمل) إلى آلية عمل يتطلب التخلي عن الأماني غير الواقعية والتعامل مع المشكلات بفاعلية وتصميم.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى