أخبار عاجلةمقالات

د. معاوية عبيد يكتب.. من لم يمت بالسيف مات بغيره.. تعددت الأسباب والموت واحد

صرير القلم

لم يكن هذا البيت الشعري يوماً أقرب إلى واقع السودانيين مما هو عليه اليوم. فالحرب التي اجتاحت البلاد لم تكتفِ بحصد الأرواح في ساحات القتال، بل امتدت آثارها إلى كل تفاصيل الحياة، حتى أصبح الموت يتربص بالناس من كل اتجاه .
ولاية نهر النيل، التي ظلت تمثل ملاذاً آمناً لآلاف الأسر الفارة من ويلات الحرب، لم تسلم هي الأخرى من تداعياتها، فقد فتح أهلها ديارهم وقلوبهم لكل قادم، إيماناً بقيم التكافل السودانية التي عُرفوا بها، غير أن الحرب حملت معها تحديات لم تكن مألوفة في مجتمع الولاية،
ففي ظل الظروف الاستثنائية، بدأت تنتشر ظواهر غريبة على إنسان نهر النيل ،من تجارة المخدرات وتعاطيها، إلى السرقات والعصابات المنظمة، وصولاً إلى ما يعرف بعصابات (تسعة طويلة ) ،وهي جرائم لم تكن جزءاً من المشهد الأمني الذي عُرفت به مدن الولاية، وعلى رأسها مدينة الدامر حاضرة الولاية .
وتبقى مناطق التعدين الأهلي واحدة من أكبر القضايا التي تستدعي الوقوف عندها. فقد تحولت أسواق الذهب في العبيدية و بربر و ابي حمد و نهر عطبرة و غيرها إلى بؤر تستقطب أعداداً كبيرة من الوافدين، بينما ما زالت المواد الكيميائية الخطرة، وعلى رأسها السيانيد والزئبق، تشكل تهديداً دائماً لصحة الإنسان والبيئة، في ظل مطالبات مستمرة بإحكام الرقابة وتطبيق الاشتراطات البيئية والصحية.
واليوم يبرز خطر جديد بعد تداول أنباء عن تعرض عدد من الأطفال لحالات تسمم يُعتقد أنها نتجت عن اختلاط دقيق القمح بنبات سام، وهي روايات تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لإثبات الحقائق، ومحاسبة أي جهة يثبت تقصيرها، لأن الأمر يتعلق بأرواح الأبرياء.
إن هذه الوقائع تضع حكومة ولاية نهر النيل والأجهزة المختصة أمام مسؤولية كبيرة …. فالمطلوب ليس الاكتفاء بردود الأفعال، وإنما وضع خطة متكاملة لمكافحة المخدرات والجريمة، وتشديد الرقابة على الأغذية، وتنظيم أنشطة التعدين، وتعزيز الوجود الأمني، حفاظاً على مجتمع عُرف عبر تاريخه بالأمن والاستقرار …
لقد صبر إنسان نهر النيل على أعباء الحرب، وتقاسم لقمة العيش مع النازحين، وتحمل فوق طاقته من أجل الوطن ، لكنه اليوم ينتظر من مؤسسات الدولة أن تقوم بواجبها في حمايته، وأن تحول دون تحول الولاية إلى ساحة لمخاطر جديدة تحصد الأرواح بصمت….
فإذا نجا المواطن من رصاص الحرب، فلا ينبغي أن يواجه الموت بالمخدرات، أو السموم، أو الغذاء الملوث، أو الجريمة المنظمة.
إن حماية الإنسان هي أول واجبات الدولة، ولا يجوز أن يصبح الموت قدراً يلاحق السودانيين بأشكال مختلفة،
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة عملية لا خطاباً إعلامياً ، متى تتحرك الجهات المختصة قبل أن تتعدد الأسباب مرة أخرى… ويظل الموت واحداً؟

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى