محمد آدم عربي يكتب.. الإسلام السياسي.. مصطلح غربي عمره 45 عاماً لمفهوم إسلامي عمره 14 قرناً

حزنت غاية الحزن وأنا أستمع لرجل عاش وترعرع في كنف الحركة الإسلامية، وكان قريباً من القيادة التاريخية للحركة الشيخ الدكتور حسن الترابي رحمه الله، وهو ضيف على قناة عالية المشاهدة. سُئل عن مصير الحركة الإسلامية في السودان، فكان رده: “الإسلام السياسي”… وظل يردد المصطلح بين الفينة والأخرى. فقلت: لقد تشرب الرجل بالفكر العلماني حتى النخاع، وما علم أن مصطلح “الإسلام السياسي” هو ترجمة لـ Political Islam وهو مصطلح حديث لم يعرف قبل مئة عام.
هذه الحادثة تفتح باباً مهماً: من أين جاء هذا المصطلح حقاً؟
أولاً: الجذور الإسلامية الأصيلة.. السياسة الشرعية
قبل أن يظهر المصطلح الغربي، كان الفقه الإسلامي يعرف “السياسة الشرعية”. عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنها: “إصلاح الرعية بتدبير أمورهم وفق أحكام الشريعة الإسلامية لتحقيق مصالحهم الدينية والدنيوية، ودفع المفاسد عنهم”.
ولم يقف مفهوم السياسة الشرعية عنده عند حدود أفعال الحاكم أو “الأحكام السلطانية” وحدها، بل شمل كل الأعمال السياسية والاجتماعية والمالية داخل المجتمع الإسلامي بين الراعي والرعية. فالإسلام في أصله لا يعرف الفصل بين الدين والدولة.
ثانياً: الولادة الفكرية الحديثة 1922 – 1941
يرى الباحثون أن ما يسمى اليوم بالإسلام السياسي كحركة منظمة له أربع محطات تأسيسية:
1. محمد رشيد رضا (1922): دعا في كتابه “الخلافة أو الإمامة العظمى” إلى عودة الخلافة بعد سقوطها، وربط نهضة المسلمين بإحياء الاجتهاد.
2. حسن البنا (1928): أسس الإخوان المسلمين وأطلق مقولته الشهيرة التي صارت دستور الحركة: “الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف، عبادة وقيادة، اقتصاد وسياسة، يشمل كل مناحي الحياة”.
3. أبو الأعلى المودودي (1941): المفكر الباكستاني الذي يعتبره كثيرون الأب الروحي الحقيقي للمصطلح. في كتابه “المصطلحات الأربعة في القرآن” الذي نشر أول مرة عام 1941، أعاد صياغة مفاهيم الإله والرب والعبادة والدين بمعنى السلطة والحاكمية والدولة. وأسس الجماعة الإسلامية في باكستان عام 1941 لتطبيق الشريعة بحذافيرها.
من هنا يقول الباحث صالح الخوالدة إن حركات الإسلام السياسي تعود إلى الجذور نفسها، مستندة إلى تراث البنا والمودودي.
ثالثاً: الولادة الأكاديمية الغربية للمصطلح 1980
رغم أن الفكرة قديمة، فإن التسمية نفسها “Political Islam” لم تظهر في القواميس السياسية الغربية إلا متأخرة جداً.
تتفق المصادر الأكاديمية على أن أول من استخدم المصطلح بشكل منهجي هو الباحث الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط مارتن كريمر Martin Kramer في كتابه الصادر عام 1980 بعنوان Political Islam.
وفي مقال لصحيفة Dawn الباكستانية: “صيغ هذا المصطلح بعد وفاة المودودي بعام تقريباً في 1979، وصاغه الباحث الأمريكي مارتن كريمر، وظهر لأول مرة في كتابه عام 1980”.
وهناك من ينسب السبق أيضاً إلى الباحث اللبناني-الأمريكي فؤاد عجمي، لكن الاستخدام المستقر جاء مع كريمر، ثم انتشر بقوة بعد الثورة الإيرانية 1979 على يد باحثين فرنسيين كبار مثل جيل كيبل Gilles Kepel وأوليفييه روا.
والمفارقة أن كريمر نفسه قال عام 2003 إن مصطلح “الإسلام السياسي” يمكن اعتباره حشواً لغوياً tautology، لأنه لا يوجد في العالم الإسلامي دين منفصل عن السياسة أصلاً.
رابعاً: لماذا نرفض المصطلح؟
الخلط هنا خطير. عندما يستخدم الإعلام الغربي مصطلح Political Islam فهو يقصد توصيف ظاهرة اجتماعية وسياسية قابلة للدراسة، وغالباً ما يضعه في مقابل “الإسلام المعتدل” أو “الإسلام الروحي”.
أما عندما يردده أبناء الحركة الإسلامية أنفسهم، فهم دون قصد يكرسون فكرة أن هناك “إسلامين”: إسلام عبادي في المسجد، وإسلام سياسي في البرلمان. وهذا تقسيم لا تعرفه الشريعة.
فالإسلام واحد، كما قال البنا، وكما أصل له ابن تيمية. والتسمية الصحيحة في تراثنا هي “السياسة الشرعية” أو “الشورى” أو “الحاكمية”، لا “الإسلام السياسي”.
إن استخدام المصطلح الغربي لوصف الحركة الإسلامية في السودان أو غيرها، هو استيراد لأدوات التحليل العلماني التي تفصل الدين عن الدولة، ثم تسمح للدين أن يعود كـ”فاعل سياسي” ضمن اللعبة الديمقراطية الغربية، لا كمنهج حياة شامل.
لذلك، فإن معركتنا ليست مع المصطلح فقط، بل مع الرؤية التي يحملها.