سودانير..العودة من تحت الرماد

*لم تكن الرحلة التي انطلقت من مطار بورتسودان إلى المدينة المنورة مجرد تفويج عادي لحجاج بيت الله الحرام، بل كانت رسالة رمزية كثيفة المعاني، تقول إن بعض المؤسسات السودانية ما تزال قادرة على النهوض رغم الخراب، وأن “سودانير” التي ظن كثيرون أنها غادرت سماء البلاد إلى الأبد، ما تزال تحتفظ بشيء من الروح.
*تسع سنوات من الغياب ليست زمنا عابرا في عمر مؤسسة بحجم الناقل الوطني، تسع سنوات كاملة فقدت خلالها “سودانير” خطوطا ووجوها وذاكرة، وتحولت من شركة كانت تمثل سيادة الدولة وهيبتها في المطارات الإقليمية والدولية، إلى اسم يتردد بحسرة في أحاديث السودانيين. لكن عودة الطائرة وهي تحمل الحجاج إلى الأراضي المقدسة أعادت سؤالا مهما إلى الواجهة وهو هل يمكن إعادة بناء ما تهدم؟
المدير العام لسودانير، الكابتن مازن العوض، تحدث بثقة عن “بداية حقبة جديدة”، وعن خطة لإعادة البناء والتطوير واستعادة المكانة التاريخية للشركة. وهي كلمات تبدو كبيرة في بلد أنهكته الحرب، لكنها في الوقت نفسه ضرورية، لأن الأمم لا تعيش فقط على المساعدات والنجاة المؤقتة، بل على قدرتها في استعادة مؤسساتها السيادية.
*سودانير ليست مجرد شركة طيران، هي جزء من صورة السودان في الخارج، وواجهة اقتصادية ووطنية، وذاكرة مرتبطة بأجيال كاملة سافرت على متن طائراتها وهي تحمل شعار الصقر السوداني. لذلك فإن أي حديث عن إعادة إعمار السودان بعد الحرب يجب ألا يقتصر على الطرق والجسور والمباني، بل يمتد إلى إعادة الحياة للمؤسسات الوطنية التي تآكلت بالإهمال والفساد والصراعات.
*المؤلم أن سودانير لم تسقط بسبب العجز المهني وحده، بل بفعل سنوات طويلة من التخبط الإداري والقرارات المرتبكة وغياب الرؤية، ولهذا فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في إعادة الطائرات إلى الخدمة، وإنما في بناء مؤسسة حديثة تقوم على الكفاءة والانضباط والاستقلالية الاقتصادية، بعيدا عن عقلية المحاصصات والتجريب.
*نجاح رحلة الحج الحالية مهم، لكنه ليس كافيا. فالسودانيون يريدون ناقلا وطنيا حقيقيا، محترما، قادرا على المنافسة، يربط البلاد بالعالم ويعيد الثقة في اسم السودان.
* يريدون “سودانير” التي كانت ذات يوم مصدر فخر، لا مجرد شركة تكافح للبقاء،وربما تكون أجمل الرسائل في هذه العودة أن السودان، رغم الحرب والجراح والانهيارات، ما يزال يملك القدرة على الوقوف من جديد. فالطائرات التي أقلعت نحو المدينة المنورة لم تحمل الحجاج فقط، بل حملت معها أملا قديما بأن هذا البلد يمكن أن ينهض، مهما طال الغياب.