محمد آدم عربي يكتب.. حين تُتخذ قرارات الدمار على موائد المخمل

في مذكراته عن حرب فيتنام، كتب كاتب أمريكي وصفاً لا يُنسى لأجواء اتخاذ القرار:
اجتمع الرئيس وكبار قادة البنتاغون في قاعة فخيمة، الموائد عامرة بما لذ وطاب، والشراب يُقدم بأيدي نادمات، وفاخر الدخان الكوبي لا يفارق الأيدي. وفي ذلك الجو المخملي صدرت الأوامر بتحريك الجيوش ودك جبال وكهوف فيتنام.
بعيداً عن تلك الصورة، يدفع الناس ثمن القرارات بدمائهم وبيوتهم.
حرب السودان التي اندلعت عام 2023 لم تكن استثناء. ملايين شُردوا من ديارهم بغير حق، نُهبت أموالهم، وانتهكت أعراض بعضهم. انتشروا داخل البلاد وخارجها في ظروف معيشية قاسية. كثيرون افترشوا الأرض والتحفوا السماء، بلا مأوى ولا زاد إلا ما يسد الرمق.
وفي المقابل، يظهر المشهد مقلوباً: قادة التمرد يُستقبلون استقبال الفاتحين، وتُقابلهم قيادة الدولة بالعناق والابتسامات والهدايا. يُقال إن ذلك من أجل السلام، لأنه مقصد لذاته، وأن بقية قادة التمرد سيتوالون تباعاً، وقد يُعقد اتفاق بالتصفيق والتهليل.
خلف كاميرات التوقيع، تبقى مآسي لا تُختزل في بيانات، أمهات لا يزلن ينتظرن عودة الأبناء، آباء يحملون صور فلذات أكبادهم المفقودة، زوجات ومخطوبات ينتظرن من توقف الزمن عند غيابه.
– أطفال يكبرون على سؤال: متى يعود أبي؟
هذه هي الضريبة البشرية للحرب، وهي أثقل من أي بند في أي اتفاق.
المشهد ليس جديداً. في حرب جنوب السودان استُشهد مئات الآلاف من الشباب، أغلبهم من طلاب الجامعات، والأطباء، والمهندسين، وكوادر الخدمة المدنية.
ثم جاءت اتفاقية نيفاشا 2005، فشهد العالم كيف صار أعداء الأمس شركاء اليوم، وتبادلوا الابتسامات الصفراء، ودخل قادة الحرب إلى القصر الرئاسي.
السؤال الذي يتكرر اليوم: هل نعيد إنتاج نفس المشهد؟
هل يُكافأ من أشعل النار بالجلوس في مقعد التفاوض وكأنه لم يحرق وطناً؟
حسنا.. السلام غاية نبيلة، لكنه لا يكون بثمن ذاكرة الضحايا ولا بكرامة من فقدوا كل شيء. ما لم تُراعَ العدالة ويُحفظ حق المظلوم، يظل أي اتفاق مجرد هدنة مؤقتة، تعيد تدوير المأساة من جديد.