أخبار عاجلةمقالات

محمد بشير عبادي يكتب.. الوجود الأجنبي يبتلع العاصمة ومناطق التعدين

 

على خلفية ما كشفه وزير الداخلية الفريق أول شرطة حقوقي بابكر سمرة مصطفى ومدير عام قوات الشرطة الفريق أول شرطة حقوقي أمير عبد المنعم فضل لتلفزيون السودان أمس، فإن حملات الشرطة ضد الوجود الأجنبي غير الشرعي تسير لكنها لا تزال أقل من حجم الظاهرة، فالمعلن أمس 29 أكتوبر الجاري من إدارة مراقبة الأجانب هو إبعاد (115) أجنبيََا وترحيل (46) آخرين عبر مطار الخرطوم بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، هو مجرد رأس جبل الجليد في ملف ظل ينخر في بنية الدولة لسنوات.

فبحسب إحصائية رسمية كشفتها وزارة الداخلية نفسها قبل الحرب، بلغ عدد الأجانب في البلاد (3.44 مليون) أجنبي، بينهم مليونا إثيوبي دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية، ونحو (500 ألف) من مواطني جنوب السودان غير مقننين بينهم (165 ألفََا) فقط مسجلون، والباقي من جنسيات إريترية وتشادية وصومالية ونيجرية ومالية دخلوا بطرق غير شرعية، بينما تؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة اليوم أن السودان يؤوي حاليََا قرابة (910 آلاف) لاجئ بينهم (689 ألفََا) من جنوب السودان، وصل منهم (324 ألفََا) خلال الـ(18) شهرََا الماضية رغم الحرب، ويقدر البنك الدولي وبيانات الهجرة الدولية رصيد المهاجرين في السودان بنحو (2.39 مليون) في (2024م)، بزيادة (73%) عن (2020م)، ما يعكس انفجارََا هجريََا لم تواكبه منظومة ضبط.

واليوم لم تعد الخرطوم تحمل ملامح أهلها، فالوجود الأجنبي المكثف غطى أطراف العاصمة والمناطق التي هجرها سكانها بسبب الحرب، يستيقظ الناس كل صباح على وجوه جديدة غير مألوفة سحنة ولغة وعادات وممارسات سلوكية تقوض الأمن وتغذي الجريمة، وهو ما دفع السلطات لنشر (367) نقطة ارتكاز وفرض أمر طوارئ ولائي رقم (17) يجرم إيواء أو نقل أو تشغيل الأجنبي غير المقنن، وإنشاء مراكز إيواء كموقع الجريف شرقي الخرطوم.

أما الخطر الأكبر فيتمركز في مناطق التعدين في الولاية الشمالية ونهر النيل، حيث ينتشر أكثر من (مليوني) معدن تقليدي يستحوذون على (80%) من إنتاج الذهب، في بيئة مفتوحة بلا رقابة تسمح بتغلغل أجانب يهربون الذهب عبر المنافذ البرية والجوية ويستنزفون الثروة الوطنية، بينما تؤوي البلاد اليوم (910 آلاف) لاجئ رسمي فقط، فإن الرقم غير الرسمي للأجانب غير المسجلين يفوقه أضعافََا، وهو ما يجعل التحكم في المناجم مستحيلََا دون ضبط تقني وبشري.

لقد وفرت الدولة تقنيات مراقبة حديثة ونظام تتبع إلكتروني لحركة الدخول والخروج، لكن المطلوب هو الانتقال من الحملات الموسمية إلى استراتيجية سيادية مستمرة عبر مؤسسة خاصة راسخة القواعد والبنية وبتطوير القوانين لتكون أكثر صرامة، وتفعيل النيابات المتخصصة التي أنشأتها النيابة العامة للتبليغ عن الوجود الأجنبي، وتطوير آليات المراقبة والتحكم في المنافذ بين الولايات وعلى الحدود الطويلة مع دول الجوار،خاصة إثيوبيا وإريتريا وتشاد وجنوب السودان،فهي الدول التي يتدفق منها الوافدين بكثافة عالية،كما يجب ربط قواعد بيانات الجوازات والسجل المدني والهجرة ومراجعة الأرقام الوطنية وسحبها ممن لا يستحقهة،لأن بقاء الوجود الأجنبي بهذه الكثافة يهدد النسيج الاجتماعي ويستنزف الاقتصاد ويحول السودان إلى دولة بلا هوية وثرواتها مستباحة بلا سيادة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى